ذاكرة التاريخ

قمة التجديد والإصلاح.. الإمام الأكبر محمود شلتوت

ودعت الأمة الإسلامية في مثل هذا اليوم من عام ألف وتسعمائة وثلاثة وستين ميلادية رمزاً من رموز الاستنارة والاجتهاد الفقهي وهو الإمام الأكبر محمود شلتوت الذي وافته المنية عقب رحلة حافلة بالعطاء الفكري والمؤسسي ، ويمثل محمود شلتوت علامة فارقة في تاريخ المؤسسة الدينية العريقة حيث شهد عهده طفرة تشريعية تمثلت في صدور قانون إصلاح الأزهر عام ألف وتسعمائة وواحد وستين ميلادية مما سمح بدخول العلوم الحديثة وإنشاء الكليات العلمية لأول مرة ، وولد هذا العالم الجليل في الثالث والعشرين من شهر أبريل لعام ألف وثمانمائة وثلاثة وتسعين بقرية منية بني منصور التابعة لمحافظة البحيرة حيث أتم حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة ، واستطاع محمود شلتوت أن يلفت الأنظار إلى عبقريته منذ التحاقه بمعهد الإسكندرية وصولاً إلى نيله شهادة العالمية عام ألف وتسعمائة وثمانية عشر ميلادية ، وتعتبر مسيرته الوطنية امتداداً لنضاله الفكري حيث شارك بفاعلية في ثورة ألف وتسعمائة وتسعة عشر بلسانه وقلمه مدافعاً عن استقلال البلاد وحرية الفكر.

النضال من أجل الإصلاح الأزهري والاعتراف الدولي بالشريعة

خاض الإمام محمود شلتوت معارك ضارية من أجل تطوير المناهج والأدوات التعليمية داخل أروقة المعاهد والكليات مما أدى لفصله من منصبه لفترة اتجه فيها للمحاماة قبل أن يعود منتصراً عام ألف وتسعمائة وخمسة وثلاثين ميلادية ، وتدرج محمود شلتوت في المناصب الأكاديمية من التدريس بالمعاهد إلى وكالة كلية الشريعة حيث أثبت كفاءة علمية نادرة جعلته يمثل البلاد في المحافل الدولية الكبرى ، ونجح محمود شلتوت خلال مؤتمر لاهاي للقانون الدولي المقارن عام ألف وتسعمائة وسبعة وثلاثين في انتزاع اعتراف دولي بأصالة الشريعة الإسلامية وصلاحيتها للتطور كمنبع رئيسي للتشريع الحديث ، وصار عضواً بارزاً في جماعة كبار العلماء ومجمع اللغة العربية وانتدب لتدريس الفقه لطلبة الدراسات العليا بكلية الحقوق مما عزز من جسور التواصل بين الفقه الشرعي والقانون الوضعي برؤية تنويرية شاملة.

عهد الإمام الأكبر وريادة الأزهر في المحافل العالمية

تقلد الشيخ محمود شلتوت مشيخة الأزهر عام ألف وتسعمائة وثمانية وخمسين ميلادية ليصبح أول من حمل لقب الإمام الأكبر رسمياً حيث ارتفعت في عهده مكانة المؤسسة إلى آفاق عالمية غير مسبوقة ، وحرص محمود شلتوت على التقريب بين المذاهب الإسلامية وتوحيد الكلمة فزار معظم بلدان العالم الإسلامي وحظي بتقدير رؤساء الدول والمنظمات الدولية الذين تسابقوا لمراسلته والاعتداد برأيه ، ومنحت كبرى الأكاديميات العالمية والجامعات الدولية الإمام محمود شلتوت شهادات الزمالة والدكتوراه الفخرية تقديراً لجهوده في نشر السلام والوسطية وترجمة مؤلفاته للغات حية ، وترك الإمام إرثاً علمياً خالداً يضم كتباً تأسيسية مثل “الإسلام عقيدة وشريعة” و”فقه القرآن والسنة” التي تظل مراجع أساسية لكل باحث عن جوهر الدين الحنيف ، ورحل الإمام في الثاني عشر من فبراير لعام ألف وتسعمائة وثلاثة وستين ميلادية تاركاً مؤسسة متطورة تجمع بين أصالة التراث ومتطلبات الحداثة في أبهى صورها.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى