
بنظرة واقعية أجد أننا ننكر التمييز، ونمارسه فى نفس الوقت. قليلون منا يقبلون أن يُوصفوا بالعنصرية، فنحن نحب أن نرى أنفسنا متسامحين، حسنى النية، لا نُقصى أحدًا عمدًا، ولا نمارس كراهية صريحة ضد المختلف.
لكن التاريخ الإنسانى يُعلّمنا درسًا مهمًا.. أن أخطر أشكال التمييز ليست تلك التى تُمارس بالعداء، بل تلك التى تُمارس بالاعتياد.
فالتمييز لا يبدأ دائمًا بشعار كاره، بل قد يبدأ بإجراء تنظيمى، أو عرف اجتماعى، أو ممارسة «طبيعية» لم نتوقف يومًا لنسأل عن معناها أو أثرها.
فى المدارس، وخلال حصة الدين، يُخرج المدرس التلاميذ المسيحيين من الفصل عند تدريس الدين الإسلامى. قد يبدو الأمر تنظيميًا، بل حسن النية: «كل يتعلم دينه»، لكن السؤال الحقيقى ليس تعليميًا، بل إنسانيًا.
ماذا يفهم الطفل من هذا المشهد؟ هل يدرك الفارق بين التخصص الدينى والإقصاء الرمزى؟
الطفل لا يقرأ الدستور، ولا يفهم فلسفة التعدد، لكنه يفهم أمرًا واحدًا واضحًا.. أن الاختلاف الدينى يعنى الخروج من الجماعة.
هكذا، وبلا قصد، نزرع فى الوعى المبكر فكرة أن المواطنة مشروطة، وأن الانتماء ليس جامعًا، بل قابلًا للتجزئة.
حين تضم جامعة الأزهر كليات للطب والهندسة والعلوم والزراعة، فإنها – بحكم الواقع – لم تعد مؤسسة دينية خالصة، بل صارت مؤسسة تعليم عالٍ تُخرج أطباء ومهندسين يعملون فى دولة مدنية.
السؤال هنا ليس عن مكانة الأزهر، بل هو سؤال بسيط وعادل: لماذا يُمنع مواطن مصرى من دراسة الطب أو الهندسة بسبب ديانته؟
- المنهج علمى.
- الشهادة مدنية.
- التمويل من المال العام.
فما المبرر غير التمييز القائم على الهوية الدينية، حتى لو لم يُسمَّ كذلك؟
من أكثر أشكال التمييز هدوءًا.. وأشدها أثرًا، وجود خانة «الديانة» فى بطاقة الهوية.
هل يحتاج موظف المرور أو البنك أو المحكمة لمعرفة دينى؟ هل تؤثر ديانتى على حقى فى العلاج أو العمل أو العدالة؟
إن لم تكن الإجابة بنعم، فوجود هذه الخانة لا يخدم الإدارة، بل يُحوّل الانتماء الروحى إلى أداة تصنيف مدنى، ويفتح الباب – ولو صامتًا – للتمييز.
إذاعة خطب الجمعة عبر مكبرات صوت عالية، متداخلة، لا تسمح بمتابعة الخطبة أصلًا، ليست مسألة وعظ دينى، فمن أراد الاستماع يستطيع ذلك بالذهاب إلى المسجد يوم الجمعة بإرادته.
هى فى جوهرها رمز حضور قسرى لدين بعينه فى المجال العام. المريض، والطالب، وغير المسلم، بل حتى المسلم غير الراغب فى الاستماع، كلهم متلقون بلا اختيار.
والإيمان – فى جوهره – لا يُبث قسرًا، ولا يُفرض بالصوت العالى، بل يُخاطب القلب والعقل بحرية.
الحقيقة أن التمييز فى مصر لا يقتصر على الدين وحده، بل يتسلل إلى حياتنا اليومية فى صور أكثر شيوعًا.. وأكثر إنكارًا.
نمارس تمييزًا طبقيًا حين نربط القيمة الإنسانية بالمظهر، أو باللهجة، أو بعنوان السكن. حين يُعامل القادم من حى شعبى باعتباره أقل كفاءة، أو يُفترض فى ابن قرية أنه أقل تحضرًا، أو يُنظر إلى خريج مدرسة حكومية نظرة ريبة، لا تقييمًا موضوعيًا.
قد لا يُقال ذلك صراحة، لكن نظرة الاستعلاء، ونبرة الصوت، وطريقة الاختيار، كلها تُعلّم الناس – دون درس مباشر – أن الفرص لا تُوزع بالعدل، بل بالمكانة الاجتماعية.
ونمارس تمييزًا ضد المرأة حين نقبل – دون احتجاج – أن تُسأل عن نيتها فى الزواج قبل كفاءتها فى العمل، أو تُحاسب على طموحها باعتباره «تمردًا»، بينما يُكافأ الطموح ذاته عند الرجل باعتباره «قيادة».
وحين تُبرر الوصاية باسم الحماية، أو يُختزل الدور الاجتماعى للمرأة فى أدوار بعينها، فنحن لا نحمى القيم، بل نُقنن عدم المساواة باسم العُرف.
ونمارس تمييزًا جغرافيًا حين نُصنف الناس وفق محافظاتهم، فنطلق النكات، ونبنى الصور النمطية، ونتعامل مع بعضها باعتبارها «أطرافًا» لا مركزًا كامل المواطنة.
كأن الجغرافيا تُحدد الذكاء، أو تُقيم الجدارة، أو تمنح الإنسان قيمة إضافية أو منتقصة.
ونمارس تمييزًا صامتًا ضد ذوى الإعاقة حين نتعامل مع وجودهم باعتباره عبئًا لا حقًا، وحين نُنشئ مدنًا لا يستطيعون التحرك فيها، ومؤسسات لا تُخاطب احتياجاتهم، أو يثور الأهالى عند دمجهم فى الفصول الدراسية وكأنهم سيبطئون تحصيل أولادهم، ثم نتعجب من «غيابهم» عن المجال العام.
التمييز هنا لا يكمن فى القسوة، بل فى الإهمال المزمن.
هذه الأشكال كلها لا تُمارس غالبًا بسوء نية، ولا تُعلن عن نفسها كشكل من أشكال الإقصاء، لكنها تشترك فى شىء واحد خطير: أنها تُعلّم الناس – منذ الصغر – من يستحق، ومن يُهمَّش، ومن يُرى، ومن يُطلب منه أن يتوارى.
الدولة العادلة لا تُشبه مواطنيها.. بل تحميهم.
الدولة الحديثة لا تطلب من مواطنيها أن يكونوا متشابهين، ولا أن يتخلوا عن إيمانهم، ولا أن يُخفوا هوياتهم، لكنها مطالبة بأمر واحد واضح: أن تكون محايدة، عادلة، لا تميز بين مواطنيها على أساس الدين، أو النوع، أو الطبقة، أو الجغرافيا، أو القدرة الجسدية.
النية الحسنة لا تكفى. قد يقول قائل: «لا نقصد التمييز»، وهذا غالبًا صحيح، لكن العدالة لا تُقاس بالنوايا، بل بالنتائج.
حين يشعر مواطن بأنه أقل حضورًا، أو أقل حقًا، أو مختلفًا على نحو يُقصيه، فالمشكلة قائمة، حتى لو غابت القسوة.
المشكلة ليست فى الدين، بل فى تحويله – دون قصد – إلى معيار مواطنة. وليست فى الإيمان، بل فى استخدامه كأداة تنظيم مدنى.
قد لا يكون المطلوب اليوم ثورة على المجتمع، ولا صدامًا مع الدين، ولا حتى تغييرًا فجائيًا فى القوانين، المطلوب فقط شجاعة أخلاقية هادئة.
أن نتوقف، أن نسأل، وأن نراجع ما اعتدناه. فالدين حين يكون اختيارًا حرًا يسمو بالإنسان، وحين يتحول إلى هوية مفروضة يُضعف الإيمان ويُهين المواطنة.
والدولة القوية ليست تلك التى يعلو فيها صوت واحد، بل تلك التى يشعر فيها كل مواطن، مهما اختلف، أنه مرئى، محترم، ومتساوٍ.
التقدم الحقيقى لا يبدأ بالهتاف، بل بالوعى، ولا يبدأ بالصدام، بل بالفهم وقبول الاختلاف، والتقدم البناء لا يُستدام إلا بالعدل، والعقل، والعقل يبدأ بسؤال.







