تحركات عاجلة لإعادة صياغة استراتيجيات الأمن الغذائي في مصر لمواجهة التحديات الاقتصادية والمناخية الراهنة

تواجه الدولة المصرية ضغوطا غير مسبوقة تستوجب إعادة النظر في ملف الأمن الغذائي في مصر بشكل جذري وشامل، حيث يتزايد العبء مع وصول التعداد السكاني إلى أكثر من 107 ملايين نسمة، في ظل محدودية الأراضي الصالحة للزراعة التي لا تتخطى نسبة 4% فقط من المساحة الكلية، مما يضع النظم الزراعية الحالية تحت مقصلة الاحتياجات المتزايدة، ويجعل البلاد أكثر عرضة لتقلبات الأسواق العالمية العنيفة التي تتاثر بالنزاعات الجيوسياسية، وصدمات توريد السلع الاستراتيجية التي تهدد سلاسل الإمداد الوطنية، وتفرض واقعا يتطلب حلولا مبتكرة وغير تقليدية بالمرة،
تتفاقم الأزمة نتيجة الاعتماد الكثيف على استيراد القمح والسلع الأساسية من مناطق تشهد توترات سياسية وعسكرية حادة، مما يضاعف من مخاطر اضطراب الإمدادات وارتفاع الأسعار بشكل جنوني يرهق الموازنة العامة للدولة، وتتزامن هذه التحديات مع تدهور بيئي ملموس وتراجع في جودة التربة، فضلا عن الآثار المركبة الناتجة عن سد النهضة الإثيوبي الكبير التي تهدد حصة البلاد من المياه، وتؤثر مباشرة على استدامة الإنتاج الزراعي المحلي، مما يجعل الأمن الغذائي في مصر قضية أمن قومي من الطراز الأول، وتتطلب تكاتفا بين كافة القطاعات الإنتاجية،
التناقضات الهيكلية في سياسات الري والزراعة واستصلاح الأراضي
تظهر الفجوة بوضوح بين الطموحات الرسمية والواقع الفعلي في إدارة الموارد المائية المحدودة للغاية، حيث تهدف استراتيجية التنمية الزراعية المستدامة 2030 لتحقيق اكتفاء ذاتي في محاصيل تستهلك كميات ضخمة من المياه مثل الأرز والقمح وقصب السكر، بينما تضغط الخطة القومية للموارد المائية 2037 نحو ترشيد الاستهلاك وتنويع المحاصيل للتكيف مع الندرة الدائمة، وهذا التباين يؤدي إلى استنزاف الموارد المائية في مناطق الدلتا وصعيد مصر، مما يعكس غياب التنسيق بين الجهات المسؤولة عن التخطيط الزرعي والمائي، ويضعف القدرة على المواجهة،
تستمر حالة العزلة المؤسسية بين وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي ووزارة الموارد المائية والري ووزارة التموين والتجارة الداخلية، مما ينتج عنه تخطيط غير متسق وتنفيذ مجزأ للسياسات العامة، وتفتقر أطر التنمية الزراعية إلى دمج حقيقي لسياسات التكيف مع التغيرات المناخية، مما يترك المزارعين في مواجهة منفردة مع الظروف الجوية والهيدرولوجية المتقلبة، ويؤدي غياب الممارسات المستدامة لدى صغار المزارعين إلى تدهور التربة وضياع كميات هائلة من مياه الري، مما يتسبب في هدر اقتصادي كبير يصعب تعويضه في ظل الظروف الحالية،
غياب الاستثمارات في البنية التحتية والفاقد في سلاسل القيمة
يعاني قطاع الغذاء من ضعف الاستثمار في البنية التحتية لمرحلة ما بعد الحصاد، مما يؤدي إلى استمرار فقد كميات ضخمة من المحاصيل قبل وصولها للمستهلك، ويتطلب الأمر بناء استراتيجية موحدة توائم بين الإنتاجية والتكيف المناخي وحسن إدارة الموارد، مع ضرورة إشراك منظمات المجتمع المدني والتعاونيات الزراعية في عملية اتخاذ القرار، لضمان وصول الدعم لمستحقيه وتحسين الرقابة على برامج التغذية، وتعزيز الشفافية في توزيع الموارد، وضمان شمول الفئات الأكثر ضعفا في المجتمع الريفي المصري الذي يتحمل العبء الأكبر،
تستوجب الضرورة تطبيق إصلاحات مرحلية عاجلة تبدأ بتعزيز الحوكمة التشاركية وتحديث الإرشاد الزراعي خلال العامين القادمين، مع ضرورة تنفيذ إطار وطني لتخطيط الأمن الغذائي يشمل الابتكار في تقنيات الري الذكي وتطوير قطاع الاستزراع السمكي، ويجب على المدى الطويل الاستثمار في بنية تحتية مقاومة للمناخ وتأمين احتياطي استراتيجي من الحبوب، لأن الفشل في التحرك الفوري سيزيد من التبعات المالية والاجتماعية القاسية، ويضعف القدرة الشرائية للمواطنين، ويحول دون الوصول إلى نظام غذائي مرن ومستدام يلبي تطلعات الأجيال القادمة،







