
ما الذي يدور فعلياً خلف جدران الكرملين؟
وهل يعني أي تقارب اقتصادي محتمل بين موسكو وواشنطن أن خطاب “التحرر من هيمنة الدولار” الذي طُرح داخل تكتل بريكس كان مجرد ورقة تفاوض؟
القراءة الاستراتيجية الهادئة تشير إلى أننا أمام إعادة توزيع أوراق داخل النظام المالي العالمي، لا أمام انهيار مفاجئ لنظام وبروز آخر مكانه.
أولاً: فك الارتباط بالدولار… هدف نهائي أم أداة ضغط؟
بعد حرب أوكرانيا، دفعت موسكو بقوة نحو توسيع التسويات بالعملات المحلية، خصوصاً مع الصين والهند.
لكن أي بديل حقيقي للدولار يحتاج إلى:
• أسواق رأسمال عميقة وقابلة للاستيعاب
• سيولة عالمية مستمرة
• نظام مدفوعات موثوق وعابر للحدود
• بيئة قانونية مستقرة وجاذبة لرؤوس الأموال
حتى الآن، لا يمتلك اليوان الصيني منظومة تضاهي البنية الدولارية الكاملة. لذلك فإن أي عودة جزئية لاستخدام الدولار — إن حدثت — قد تعكس تنويعاً تكتيكياً لتقليل الاعتماد المفرط على بكين، لا تراجعاً عن خطاب الاستقلال المالي.
بعبارة أدق: موسكو قد تسعى إلى توازن بين الشرق والغرب، لا انحياز كامل لأي محور.
ثانياً: النفط… هل يعيد تقارب واشنطن وموسكو ضبط السوق؟
الولايات المتحدة وروسيا من أكبر المنتجين عالمياً. لكن سوق الطاقة لا تُدار عبر ثنائية مغلقة. فهناك أيضاً:
• السعودية
• بقية دول الخليج
• منتجو أمريكا اللاتينية
• الطلب الآسيوي المتنامي
كما أن تحالفات مثل أوبك+ تلعب دوراً مركزياً في إدارة المعروض.
أي تقارب أمريكي–روسي قد يؤثر على توازنات العرض وقوة التسعير، لكنه لا يمنح “سيطرة مطلقة”. فالسوق النفطية تتأثر بعوامل متشابكة: جيوسياسية، صناعية، بيئية، ومالية.
إعادة تشكيل ميزان الطاقة تتطلب توافقاً طويل الأمد — وهو أمر معقد سياسياً وغير مضمون الاستدامة.
ثالثاً: الغاز وأوروبا… عودة ممكنة أم جسر محروق؟
منذ 2022، أعادت أوروبا هيكلة منظومتها الطاقية بعيداً عن الغاز الروسي.
إحياء مشاريع الغاز المسال المشتركة — إن حدث — قد يؤدي إلى:
• ضغط على الأسعار
• زيادة المعروض العالمي
• فتح قنوات اقتصادية جديدة بين موسكو والغرب
لكن العودة إلى نموذج ما قبل 2022 تصطدم بعاملين رئيسيين:
1. الاعتبارات السياسية داخل أوروبا
2. حسابات الأمن الاستراتيجي
لذلك، حتى في حال حدوث تقارب اقتصادي، سيبقى محدوداً ومحكوماً بشروط صارمة.
رابعاً: المعادن الحرجة… ساحة التنافس الفعلي
روسيا لاعب مهم في اليورانيوم المخصب والبلاديوم، وهما عنصران أساسيان في الصناعات المتقدمة.
أي تفاهم روسي–أمريكي في هذا المجال قد:
• يعزز أمن الإمدادات الأمريكية
• يحدّ جزئياً من النفوذ الصناعي الصيني
لكن الصين ما تزال تتفوق في معادن نادرة أخرى وفي قدرات المعالجة الصناعية.
بالتالي، المشهد أقرب إلى شبكة توازنات معقدة منه إلى صراع صفري.
خامساً: الاحتياطيات والدولار… البراغماتية تتقدم
الاحتياطيات الروسية الكبيرة توفر هامش مناورة، لكن تجميد جزء منها في الغرب كشف مخاطر الاعتماد الأحادي.
إدارة الاحتياطيات تتطلب:
• سيولة فورية
• أصولاً قابلة للتسييل
• تنوعاً جغرافياً
لذلك، قد يكون الهدف هو تعدد الممرات المالية، لا استبدال نظام بآخر بشكل كامل.
هل يعيش الدولار حرب بقاء؟
رغم ارتفاع الدين الأمريكي واستمرار العجز، ما يزال الدولار:
• العملة الاحتياطية الأولى عالمياً
• مدعوماً بأعمق سوق سندات في العالم
• محاطاً بمؤسسات مالية تعتبر معياراً للثقة
تراجع نسبي في قيمته لا يعني انهياراً بنيوياً.
سقوط عملة احتياط عالمية يتطلب بديلاً مكتملاً في العمق المالي والشفافية وحرية حركة رأس المال والاستقرار السياسي — وهو ما لم يتشكل بعد.
إيران وسلاح العقوبات
العقوبات على إيران أظهرت كيف يمكن للنظام المالي أن يتحول إلى أداة ضغط جيوسياسي فعّالة.
لكن اختزال كل الصراعات في كونها “حروب دفاع عن الدولار” يتجاهل تعقيدات أوسع، تشمل:
• الأمن الإقليمي
• ملف الانتشار النووي
• توازن القوى في الشرق الأوسط
• التنافس الأمريكي–الصيني الشامل
الدولار عنصر في الصراع الدولي، لكنه ليس المحرك الوحيد له.
القراءة الاستراتيجية النهائية
1. لا توجد مؤشرات مؤكدة على صفقة كبرى تعيد موسكو بالكامل إلى النظام الدولاري.
2. روسيا تحاول تقليل التبعية للصين دون العودة إلى ارتهان كامل للغرب.
3. الولايات المتحدة تركز استراتيجياً على احتواء الصين اقتصادياً وتقنياً.
4. النظام المالي العالمي يتجه نحو تعددية نسبية، لكن دون انهيار مفاجئ للدولار.
نحن أمام مرحلة إعادة تموضع داخل النظام العالمي، لا انهياره.
أي تحول حقيقي سيأتي تدريجياً عبر تغير نسب الاحتياطيات، وأنظمة المدفوعات، وتسعير الطاقة، وسلاسل الإمداد.
الأسواق لا تتأثر بالشعارات، بل حين يتبدل ميزان الثقة العالمي.
وحتى الآن، الثقة بالدولار تراجعت نسبياً… لكنها لم تجد بديلاً مكافئاً بعد







