أخبار العالمملفات وتقارير

تحليل استراتيجي يكشف أبعاد الصراع النووي وتكتيكات طهران لمواجهة هجوم محتمل

يستعرض المسؤول السابق للقسم الإيراني بجهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية آساف كوهين المشهد المعقد الذي يحيط بالملف النووي الإيراني في ظل تصاعد التوترات الإقليمية والدولية الراهنة، ويوضح كوهين أن طهران تجد نفسها الآن في وضع حرج للغاية يجبرها على تقديم تنازلات تكتيكية مريرة للخروج من مأزقها الحالي، وتعتمد السياسة الإيرانية وفق هذا التحليل على استراتيجية المراوغة المنظمة بهدف كسب المزيد من الوقت الضروري لتجهيز الجبهة الداخلية والدفاعات العسكرية استعدادا لمواجهة هجوم محتمل قد يستهدف منشآتها الحيوية في أي لحظة، وتظهر التحركات الدبلوماسية الأخيرة رغبة واضحة في تأجيل الصدام المباشر عبر إطلاق وعود بفتح قنوات تفاوضية جديدة تضمن بقاء النظام في دائرة المناورة السياسية لفترة أطول.

يضع كوهين علامات استفهام كبرى حول النوايا الحقيقية للإدارة الأمريكية في التعامل مع التهديدات المتزايدة والقلق الدولي من البرنامج النووي الإيراني وطبيعة المرحلة القادمة، ويشير التحليل إلى أن التساؤل الجوهري الذي يشغل الدوائر الاستخباراتية يتلخص في مدى جدية واشنطن في التوصل إلى اتفاق دبلوماسي شامل ينهي الأزمة بضمانات دولية صارمة، أو أن الولايات المتحدة قد اتخذت بالفعل قرارها النهائي بشن عملية عسكرية واسعة وهي تحتاج فقط إلى نافذة زمنية إضافية لإكمال التحضيرات اللوجستية والعسكرية استعدادا لمواجهة هجوم محتمل ضد أهداف استراتيجية، وهذا التضارب في التوقعات يفتح الباب أمام احتمالات مفتوحة تتراوح بين الانفراجة الدبلوماسية المفاجئة وبين اشتعال فتيل حرب إقليمية مدمرة تتجاوز حدود الجغرافيا التقليدية.

تقييم المناورات السياسية والضمانات النووية

تتواصل التصريحات الإيرانية المتناقضة بشأن القدرات الفنية والمواد النووية المخزنة لديها كجزء من حرب نفسية تهدف إلى الضغط على المجتمع الدولي للحصول على مكاسب سياسية واقتصادية، ويؤكد آساف كوهين أن طهران تلمح باستمرار إلى إمكانية تخفيف تخصيب اليورانيوم أو السماح بعودة الرقابة الدولية لكنها تظل وعودا غامضة تفتقر إلى الجدية في التنفيذ على أرض الواقع، وتبرز الشكوك حول مدى استعداد القيادة الإيرانية للمضي قدما حتى النهاية في تقديم التزامات حقيقية وقابلة للتحقق تنهي الطموحات العسكرية لبرنامجها المثير للجدل، ويظهر الواقع أن هذه التحركات لا تتعدى كونها محاولات دفاعية ذكية لتجنب الضغوط القصوى التي تمارسها القوى الكبرى ومنع الانزلاق نحو مواجهة عسكرية شاملة استعدادا لمواجهة هجوم محتمل.

تعتبر آلية عودة الرقابة الدولية ومدى التزام طهران بالتنفيذ الكامل لتعهداتها التقنية من أعقد النقاط التي تثير ريبة الأجهزة الاستخباراتية الغربية والإسرائيلية على حد سواء في الوقت الراهن، ويشدد المسؤول السابق على أن الغموض المتعمد الذي تنتهجه إيران في مسارها التفاوضي يهدف إلى إبقاء خصومها في حالة من عدم اليقين الدائم بشأن قدراتها الحقيقية، وتظل الفجوة بين الخطاب المعلن والأفعال الميدانية هي العائق الأكبر أمام بناء أي جسور للثقة في المستقبل القريب مما يزيد من احتمالية اللجوء إلى الخيارات الخشنة، وتؤكد التقارير أن الوضع الصعب الذي تعيشه طهران قد يدفعها لمغامرات غير محسوبة في حال شعرت أن استراتيجية كسب الوقت لم تعد تجدي نفعا في منع وقوع كارثة عسكرية محققة.

تداعيات السيناريوهات العسكرية على الاستقرار الإقليمي

تؤدي حالة الاستنفار الدائمة والترقب لما ستسفر عنه الأيام القادمة إلى زيادة وتيرة التسلح والتحالفات المضادة في منطقة الشرق الأوسط التي تعاني أصلا من اضطرابات أمنية وسياسية مزمنة، ويرى المحللون أن استعدادات طهران المستمرة تهدف إلى خلق حالة من الردع تمنع القوى الخارجية من تنفيذ تهديداتها المباشرة بضرب المفاعلات النووية والقواعد العسكرية الحساسة، ومع ذلك يبقى خيار الصدام العسكري مطروحا بقوة على طاولة صناع القرار في ظل إصرار إيران على عدم التخلي عن أوراق قوتها الإقليمية وبرنامجها الصاروخي المتطور، وتتجه الأنظار الآن نحو التحركات الأمريكية المقبلة وما إذا كانت ستؤدي إلى احتواء الأزمة عبر القنوات الدبلوماسية أو ستكون بمثابة الضوء الأخضر للبدء في إجراءات ميدانية استعدادا لمواجهة هجوم محتمل وشيك.

تختتم القراءة الاستخباراتية بالتأكيد على أن المشهد الإيراني وصل إلى نقطة اللاعودة حيث لا يمكن الاستمرار في سياسة حافة الهاوية دون تقديم تنازلات حقيقية تمس جوهر المشروع القومي، ويظل آساف كوهين متمسكا برؤيته التي ترى أن الضغوط الاقتصادية والعزلة الدولية قد وصلت إلى مستويات قياسية تجعل من الصعب على طهران الصمود لفترات طويلة دون اتفاق، وإن الرهان الإيراني الحالي يعتمد بشكل أساسي على تغير الموازين الدولية وظهور قوى عالمية جديدة قد تدعم موقفها في مواجهة الهيمنة الغربية، ولكن الحقيقة الميدانية تشير إلى أن الوقت بدأ ينفد وأن الخيارات المتاحة تتقلص يوما بعد يوم مما يضع المنطقة بأكملها على فوهة بركان قد ينفجر في أي لحظة وبدون سابق إنذار.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى