مصرملفات وتقارير

مصر تتبنى استراتيجية دولية جديدة لمواجهة مخاطر سد النهضة الإثيوبي الوجودية

تعتمد الدولة المصرية تحولا جذريا في خطابها الدبلوماسي القاري والدولي حيال أزمة سد النهضة الإثيوبي التي اندلعت شرارتها منذ عام 2015، حيث انتقلت القاهرة من توصيف النزاع كخلاف فني أو سياسي إلى طرحه كقضية إنسانية وحقوقية تمس بقاء الملايين، وشدد وزير الخارجية بدر عبد العاطي أمام القادة الأفارقة على أن البلاد تواجه وضعا مائيا بالتر هشاشة يهدد الحق في التنمية والحياة، واعتبر أن سد النهضة الإثيوبي يضع 105 ملايين مواطن أمام تحد وجودي ينقل الأزمة من نطاقها القومي الضيق إلى آفاق حقوق الإنسان العالمية، ولا يمكن الصمت أمام هذا التهديد المباشر للأمن المائي الإقليمي،

تؤكد التحركات الدبلوماسية المكثفة أن المفاوضات الفنية والسياسية مع أديس أبابا لم تعد تجدي نفعا في ظل استمرار الإجراءات الأحادية المتعلقة بعمليات ملء وتشغيل سد النهضة الإثيوبي، وأوضح المسؤولون في جلسات مغلقة أن التعنت في الوصول لاتفاق قانوني ملزم يعمق حالة الشح المائي المصري عاما بعد عام، وتستند هذه الرؤية إلى معطيات رقمية تضع مصر ضمن قائمة الدول الأكثر تأثرا بندرة المياه عالميا، حيث يعتمد الأمن القومي بنسبة 97% على تدفقات نهر النيل، مما يجعل أي نقص في الحصص التاريخية بمثابة عجز هيكلي يضرب قطاعات الغذاء والصحة والاستقرار الاجتماعي في مقتل،

تداعيات نقص التدفقات المائية على الأمن الغذائي المصري

تشير البيانات الفنية التي استعرضها وزير الري هاني سويلم إلى خطورة بالغة تكمن في أن كل متر مكعب إضافي يتم احتجازه خلف سد النهضة الإثيوبي يقلل تدفقات المياه لمصر والسودان بمليار متر مكعب سنويا في الأوقات الحرجة، وتزامن ذلك مع تقارير دولية تؤكد انخفاض نصيب الفرد من المياه في مصر لأقل من 500 متر مكعب سنويا، وهو ما يصنف عالميا ضمن فئة الندرة الشديدة، وتعود هذه الأزمة لثبات الموارد المائية عند 55.5 مليار متر مكعب مقابل انفجار سكاني تجاوز 105 ملايين نسمة، مما يفرض ضغوطا هائلة على موارد الدولة المحدودة سواء الجوفية أو المطرية التي لا تكفي الاحتياجات،

يحلل الخبراء ومنهم مجدي قرقر أستاذ علوم التربة بجامعة القاهرة الوضع الراهن بكونه عجزا مائيا هيكليا لا يمكن علاجه بمجرد تحسين الإدارة الداخلية، وأوضح أن ربط ملف المياه بالأمن الإنساني يعكس خطورة الموقف الذي يواجه مستقبل الشعب المصري في الوصول لمياه شرب آمنة، وتتحمل الزراعة المصرية استهلاك 80% من الموارد مما يجعل سد النهضة الإثيوبي مؤثرا مباشرا على إنتاج المحاصيل الاستراتيجية مثل القمح والذرة والفول، ويؤدي هذا النقص لزيادة الاعتماد على الاستيراد الخارجي وارتفاع كلفة دعم السلع الأساسية، مما يضع الدولة في دائرة عدم اليقين المائي بسبب غياب الاتفاقيات المنظمة،

خطط التوسع في محطات التحلية ومواجهة العجز المائي

يستبعد المتخصصون ومنهم عباس شراقي أستاذ جيولوجيا المياه الاعتماد الكلي على خزان الحجر الرملي النوبي لتعويض نقص النيل نظرا لكونه موردا غير متجدد، وتتسارع خطى الحكومة لإنشاء 30 محطة تحلية مياه بحر بالتعاون مع تحالفات دولية صينية وخليجية وأوروبية لإنتاج 8 ملايين متر مكعب يوميا بحلول عام 2030، وتستهدف هذه المشروعات المناطق السياحية والساحلية لتقليل الضغط على مياه النيل، ومع ذلك يشدد خبراء الري على أن هذه البدائل لا تغني عن التدفقات الطبيعية، مما دفع الدولة لفرض تقنيات ري حديثة ووضع ضوابط صارمة لاستهلاك المياه في القطاعات الصناعية المختلفة،

تلتزم القاهرة في تحركاتها بمبادئ القانون الدولي واتفاقيات الأنهار الدولية العابرة للحدود لضمان عدم الإضرار بمصالح دول المصب، وتسعى مصر عبر “رؤية أفريقيا للمياه 2063” لتأسيس آلية إقليمية شفافة لتبادل البيانات ومنع فرض الأمر الواقع من جانب واحد، ويبقى ملف سد النهضة الإثيوبي هو المحرك الرئيسي للسياسة الخارجية المصرية التي ترفض أي مساس بحقوقها التاريخية، وتؤكد الدولة في كافة المحافل أن حماية مواردها المائية هي خط أحمر لا يقبل التفاوض أو التنازل، مع استمرار العمل على تطوير شبكات التوزيع وتقليل الفاقد في الريف والمناطق الأكثر احتياجا لمنع تفاقم الأزمات،

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى