مقالات وآراء

عمرو هاشم ربيع يكتب : الدين الخارجي.. مؤشرات استفحال الأزمة وسبل الفكاك منها

المطلع على أزمة الدين الخارجي في مصر، مؤكد أنه سيصاب بالذهول، فهناك تسارع وزيادة غير طبيعية في حجم الدين، واستسهال للاقتراض من صندوق النقد الدولي وغيره، عوضا عن الإنتاج وربط الأحزمة للحد من إنفاق الدولة الشره، على كل ما يلزم وما لا يلزم. فلما هذا التسارع والنهم على الاستدانة، وكأن طريق “الاستلاف” أصبح هو البديل لتوفير الاحتياجات؟ لماذا نتعمد تخسير أنفسنا بأنفسنا؟ ولماذا نصر على تحقيق منافع وقتية ومظهرية، على حساب نكبات سيجني حنظلها الأجيال القادمة، حيث سيتحمل هؤلاء أعباء ما زرعه الأولون؟

تطور الدين الخارجي وتداعياته على الغلاء
الناظر للوهلة الأولى وبدقة لحجم الدين الخارجي وتطوره خلال العقد ونيف الأخير، من المؤكد أنه سيتعجب، لماذا كل هذا الإسراف؟ فالأسعار في ازدياد، والإنتاج بطيء للغاية، وحجم الصادرات الموعود منذ 4 سنوات بـ100 مليار دولار سنويا، لم نصل لنصفه، رغم أن الهدف متواضع مقارنة ببلدان غير متقدمة كتركيا وكوريا الجنوبية (200 و300مليار دولار تقريبا على التوالي)، والاعتماد على المصادر الخارجية للنقد الأجنبي -والدولار تحديدا- يتضاعف، ما يجعل سياسة مصر الخارجية على “كف عِفريت” من زاوية استقلال القرار السياسي عن أية ضغوط خارجية، كل ما سبق وغيره من أمور، هي تداعيات طبيعية لأزمة دين مُستفحل.

في نهاية السنة المالية 13/ 2014، أي بعد القضاء على حكم الإخوان المسلمين، وتولي الرئيس عبد الفتاح السيسي السلطة، كان حجم الدين الخارجي 46.1 مليار دولار، اليوم أصبح حجم الدين 161.2 مليار دولار، وفق بيانات البنك المركزي في الربع الثاني من عام 2024، فماذا أصاب المسئولين في مصر، لماذا يصرون على إغراق مصر مستقبلا ووقوعها في شرنقة إفلاس مُرتقب.

واحدة من أكبر نكبات الدين الخارجي هي أثره على ارتفاع أسعار السلع والخدمات، الناظر إلى تطور ارتفاع الأسعار خلال السنوات العشر الماضية، سيتعجب من حجم التضخم المذهل الذي ضرب لقمة عيش الطبقتين المتوسطة والفقيرة في مقتل، حتى أن الطبقة الأولى أصبحت تنحسر وتندثر، والطبقة الثانية تزداد حجما يوما بعد يوم، ومعها تتزايد معدلات الفقر والفقر المدقع، والذي ضرب نحو 37% من عدد السكان، أي ما يفوق ثلث عدد المصريين.

عوز شعبي للسلع والخدمات وجوع وفقر مدقع
حالة العوز التي وجدناها في الانتخابات الماضية، والركض خلالها على كرتونة التموين أو الرشاوى المالية المباشرة، بغرض الفساد السياسي، كلها مؤشرات تشير إلى أن بيع الذمم والضمائر أصبح سيد الموقف مقابل توافر لقمة العيش، خشية من حرج رب المنزل أمام الزوجة والأبناء من شدة الحاجة، فوق أسعار المواد الغذائية هناك ارتفاع أسعار الخدمات من كهرباء وغاز الطهي ووقود السيارة ومقابل استهلاك المياه واستخدام المواصلات العامة، فالسلطة لا تتوانى عن رفع الأسعار يوما بعد يوم.

مؤشرات حالتي الصحة والتعليم وإنفاق الدولة عليهما ببخل شديد، مقابل الإنفاق على الطرق والكباري والمحاور، والأدهى والأمر، المونوريل والقطار الكهربائي والعاصمة الإدارية والعلمين الجديدة حيث المقر الصيفي للحكم برمته، كلها أمور يندى لها الجبين، وسط حالة من تغافل غير طبيعي على فقه الأولويات، إذ نتجه بكل هذا السفه الإنفاقي إلى مغازلة الطبقة العليا بمواقع وأماكن ومصايف، تستخدمها أسابيع قليلة في العام الواحد، ونُهمل القاعدة العريضة، وفوق كل ذلك نتجه إلى حلول مأساوية مبنية على بيع مقدرات البلد للإمارات العربية وقطر والسعودية، كوسيلة للإنقاذ، عندما يحل قسط الدين أو فوائده، والغريب إننا نسمي ذلك افتراء- كما يقول منير فخري عبد النور- بالاستثمار الأجنبي، لكونه لا يترافق مع توظيف أو تنمية مباشرة، دموع الغلابة تذرف بلا أي نظرة رحمة، مقابل تفاخر وتباهي الحكم حال رؤيته للمنافسات الخليجية البينية على شراء شواطئ مصر، ومصانعها المنتجة، وغيرها وغيرها من دواليب الصناعة الرابحة.

مؤشرات الدين الخارجي الثمانية.. هل تشير للأمان؟
الناظر إلى المؤشرات العامة للدين الخارجي الآمن وغير الآمن وفقا للأدبيات الاقتصادية، ووفقا لما ذكره عديد الخبراء الاقتصاديين (عبد الفتاح الجبالي وإلهامى الميرغني وعالية المهدي وغيرهم) يجعل المرء، يحاول أن يدقق عسى أن يجد تبريرا لتلك الحالة الاستسهالية للانكباب على تنفيذ تعليمات وروشتة صندوق النقد الدولي، التي لم يجد المرء أي أمر جيد فيها سوى نقدها الشديد لوجود موازنتين للبلاد، ناتجة عن تحكم أجهزة سيادية في الاقتصاد، ومن ثم القيام بموت بطيء للاقتصاد الحر. موازنتان إحداها مراقَب والأخرى غير مراقبة، وضمن الأخيرة صناديق سيادية غير معروف ما بداخلها، وكيف يتم الصرف منها، والرقابة عليها!

المؤشر الأول مؤشر حجم الدين الخارجي إلى الناتج المحلي، وهذا المؤشر يقسم فيه حجم الدين الخارجي على الناتج المحلي، فإذا كان يتراوح ما بين 40-45% فتكون الدولة في حدود الأمان من خطر الدين. بالتطبيق نجد حجم الدين اليوم 161.2 مليار دولار وبقسمته على حجم الناتج المحلي، والمقدر بـ 349,26 مليار دولار وفق بيانات صندوق النقد الدولي لعام 2026، نجد النسبة 46,1% أي تم تخطى حدود الأمان.

المؤشر الثاني حجم الدين الخارجي إلى الصادرات السلعية والخدمية، وهنا تقول المؤشرات، إن حدود الأمان هي ألا يزيد الدين عن 200% من حجم تلك الصادرات إجمالا، في التطبيق نجد حجم الصادرات البترولية وغير البترولية، وفقا لبيانات البنك المركزي خلال العام 24/ 2025 هي 40,2 مليار دولار، ويعني ذلك، أن حجم الدين الخارجي إلى الصادرات وصل إلى 400%، ما يعني أيضا تخطى حدود الأمان.

المؤشر الثالث علاقة الدين الخارجي طويل الأجل بنظيره قصير الأجل، الأدبيات الاقتصادية تقول إن الدين القصير الأجل لو كان أكبر من الطويل الأجل يصبح هناك خطر مؤكد في عملية الاستدانة، لكون الدين يحتاج لسداد فوري وبفوائد أسرع وأكبر، هنا يلاحظ أن الدين المصري الخارجي قصير الأجل يقدر بـ 19,1% منه إجمالي الدين الخارجي، ومن ثم يشير هذا المؤشر إلى حدود الأمان، لكنه أمان كما ذُكر مرتبط بالأجل بغض النظر عن حجم المقترض.

المؤشر الرابع هو علاقة الدين الخارجي بالإيرادات العامة، فإذا كان أقل من 250% فهو في حدود الأمان، وخطر إذا ما تجاوز الـ400%، في حالة مصر، فإن تلك النسبة هي 370%، أي أنه رغم أنه لم يتجاوز حدود الخطر، إلا أنه تخطى حاجز الأمان.

المؤشر الخامس هو علاقة خدمة الدين (أقساط وفوائد) إلى الإيرادات، هنا الدين في حدود الأمان لو كانت النسبة 20% ومقلق ما بين 20- 30% وخطر لو تجاوز الـ30%، في الحالة المصرية هو 140,5% في موازنة عام 25/ 2026، أي تجاوز أيضا حد الأمان، لا سيما وأن خدمة الدين تبتلع جميعها عوائد دورة الإنتاج.

المؤشر السادس، علاقة خدمة الدين الخارجي بالصادرات، هنا الدين آمن لو أقل من 15- 20% وخطر لو تجاوز 25%، هنا يشار إلى أن خدمة الدين الخارجي المصري تقدر بـ19,8 مليار دولار، والصادرات 40,2 مليار دولار، وبذلك تكون خدمة الدين الخارجي إلى الصادرات تساوى 49,2%، وهو ضعف معدل الخطر.

مؤشرات أخرى، هناك علاقات أخرى لتحديد مدى أمان الدين، منها ما يستند إلى علاقة فوائد الدين بالمتحصلات الجارية، أي إجمالي المتحصل من العملات الأجنبية من الريوع ذات الطابع الخارجي، وهي الاستثمار المباشر وتحويلات العمالة المصرية في الخارج والسياحة، وهناك أيضا مؤشر علاقة الدين بالاحتياطي النقدي الأجنبي البالغ 51 مليار دولار بحجم الدين، وهو احتياطي مقدر بـ51 مليار دولار. كل تلك المؤشرات تشير إلى أن الدين الخارجي إن لم يصل إلى حد الخطر، فهو على الأقل تجاوز حد الأمان، ما يتحتم وقف الاقتراض كقول واحد.

كذب وفساد وإفك وجبايات حكومية
وسط كل ذلك ولسداد المستحقات المتصلة بالقروض وفوائدها، يدفع الفقراء ضرائبهم، أما الأغنياء يُقرأ يوميا بيانات رسمية وغير رسمية عن تهربات ضريبية، ومال فاسد ينفق بالملايين في الانتخابات، ينتظر أن يعود أضعافه بعد الفوز من عمليات الفساد الكبير والصغير، ترتفع أسعار الخدمات دوما، وفي كل مرة تكذب الحكومة، بأن تلك المرة هي الأخيرة، وتكذب حين تربط الوقود بالأسعار العالمية، فإذ بها ترفع سعره إذا ارتفع، وترفعه أيضا إذا انخفض، في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، كان الرئيس وحكومته لا تنام لمجرد رفع أسعار البنزين 10 أو 20 قرشا، اليوم الزيادة بالجنيه، وربما بجنيهين، ولكن جفون الجميع في سُبات عميق.

إذا ما ألقيت السلام على موظف الحكومة، وانت تنهي أي معاملة، لا يرد السلام، إلا إذا دفعت الرسوم، هذا غير باب الفساد الذي لا ينغلق؛ بسبب خراب الذمم، وانعدام الرقابة، وضعف الرواتب وعدم تنفيذ الحد الأدنى للأجور، ملايين وملايين تُحصل يوميا من كارتات الطرق ودواوين المحليات ومراكز تراخيص السيارات والمباني، وغيرها وغيرها، والكثير منها يذهب لصندوق تحيا مصر القائم خارج حساب الموازنة العامة.

إعلانات التلفزيون لا تنقطع يوميا عن أكبر مسجد وأكبر كنيسة وأكبر ساري علم وأعلى برج أيقوني في العاصمة الإدارية، بعدها مباشرة وفي ذات القناة التلفزيونية إعلان للتبرع، ولو بجنيه بسبب عوز المستشفيات ودور الأيتام ودور المسنين.. شيزوفرنيا وفنتازيا مبكية دماء لا دموع.

ما العمل؟
هكذا يتبين أننا على حافة الهاوية، بمعنى إننا بدأنا ندخل بالفعل في حدود عدم الأمان، إن لم يكن قد دخلنا بالفعل، ما يجعل الأمر عاجلا ومهما، هو التدهور المتوالي والمتصاعد في قيمة العملة المحلية، والذي يتسبب في ارتفاع متتالي في أسعار السلع والخدمات، ومن ثم حتمية التوقف عن هذا الإسراف، وذاك الإنفاق البذخي، المرتبط كما ذكر آنفا بضرورة التقشف الحكومي، في بنود كالسيارات الفارهة، والسفارات المصرية المتعددة في الخارج، وكذلك تضخم عدد المستشارين وعدد الموظفين في دواوين الحكومة وقطاع الأعمال العام، خاصة من فئات محددة، جرى العرف على تشغيلها للمجاملة ودون داع كالضباط المتقاعدين والقضاة المنتدبين لجهات غير قضائية، مما يخالف الدستور، ويستنزف من موارد الدولة المالية، لذلك من الواجب العودة إلى المطلب القديم الجديد، وهو الالتزام بالحدين الأدنى والأعلى للأجور دون استثناء أي فصيل، مهما علا قدره أو صنفه، وهو أمر مهم؛ لكونه يمنع الأحقاد الطبقية، ويزيد من فرص المساواة.

ما من شك، أن التوقف عن التعامل مع صندوق النقد الدولي يبقى أحد أهم الأمور التي لا يمكن إنهاء تلك الأزمة دونها، بعبارة أخرى، أن الدخول في سياسات مرتبطة بزيادة التصنيع وإصلاح الميزان التجاري وغيرها وغيرها من إجراءات هي أمور لا تغني البتة عن وقف نزيف القروض، ووقف الاستجابة لنصائح صندوق النقد الدولي، كون تلك الأخيرة تزيد إفقار الفقراء، وتزيد من الأزمات الاجتماعية.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى