مقالات وآراء

روبا مرعي تكتب: إيران بين شبح المواجهة العسكرية وسيناريو التغيير القسري

لم يعد الحديث عن احتمال المواجهة العسكرية مع إيران مجرد فرضية نظرية في أدبيات الأمن الإقليمي، بل تحول إلى عنصر ثابت في معادلة الردع المتبادل بين طهران وخصومها، في ظل تصاعد الضغوط الدولية، وتقدم البرنامج النووي، واتساع هامش التوتر في الشرق الأوسط. غير أن السؤال الأكثر تعقيداً لا يتعلق بإمكانية اندلاع الحرب بحد ذاتها، بل بقدرتها – إن وقعت – على إحداث تغيير فعلي في بنية النظام السياسي الإيراني.

منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، نجح النظام الإيراني في بناء منظومة أمنية مزدوجة، ترتكز على الدولة الرسمية من جهة، وعلى بنية موازية عقائدية يمثلها الحرس الثوري الإيراني من جهة أخرى. هذه المؤسسة لا تشكل مجرد قوة عسكرية، بل تمثل العمود الفقري للنظام، اقتصادياً وأمنياً وأيديولوجياً، ما يجعل أي محاولة لإسقاط السلطة عبر ضربة عسكرية خارجية أمراً بالغ التعقيد.

تدرك الولايات المتحدة، رغم تفوقها العسكري، أن تجربة تغيير الأنظمة بالقوة لم تنتج بالضرورة استقراراً سياسياً، كما حدث في العراق. فإسقاط السلطة المركزية دون وجود بديل داخلي منظم يفتح الباب أمام فراغ سياسي، غالباً ما يتحول إلى صراع داخلي طويل الأمد. في الحالة الإيرانية، يتضاعف هذا الخطر بسبب حجم الدولة، وتنوعها الاجتماعي، ووجود مؤسسات أمنية موازية ذات ولاء عقائدي عميق.

في المقابل، ترى إسرائيل في إيران تهديداً استراتيجياً طويل الأمد، خصوصاً في ضوء تطور برنامجها النووي وشبكة نفوذها الإقليمي. غير أن أي ضربة عسكرية واسعة ضد إيران لن تكون عملية معزولة، بل قد تؤدي إلى اندلاع مواجهة متعددة الجبهات، تشمل الخليج والعراق وسوريا ولبنان، ما يرفع كلفة الحرب إلى مستوى يتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية، ويدخل في نطاق إعادة تشكيل التوازن الإقليمي برمته.

في هذا السياق، برزت محاولات من أطراف المعارضة في الخارج، وعلى رأسها رضا بهلوي، لتقديم مشروع “انتقال سياسي” يهدف إلى طمأنة الداخل والخارج بأن سقوط النظام – إن حدث – لن يؤدي إلى انهيار الدولة. إلا أن معضلة المعارضة الإيرانية تبقى في غياب بنية تنظيمية متماسكة داخل البلاد، قادرة على تحويل الضغط الشعبي إلى تغيير سياسي فعلي. فالتاريخ المعاصر يثبت أن الأنظمة لا تسقط فقط تحت ضغط الشارع، بل عندما يتزامن هذا الضغط مع تصدعات داخل النخبة الحاكمة نفسها.

حتى الآن، لا تزال القيادة الإيرانية، ممثلة بالمرشد الأعلى علي خامنئي، تسيطر على مفاصل القوة الأساسية، معتمدة على توازن دقيق بين الردع الخارجي والسيطرة الداخلية. ورغم التحديات الاقتصادية والاحتجاجات المتكررة، لم تظهر مؤشرات حاسمة على انهيار داخلي وشيك.

بناءً على ذلك، يبدو أن سيناريو المواجهة العسكرية الشاملة، رغم حضوره في الخطاب السياسي، لا يزال خياراً محفوفاً بالمخاطر، ليس فقط بسبب كلفته العسكرية، بل بسبب نتائجه غير المضمونة سياسياً. فالحرب قد تضعف النظام، لكنها لا تضمن سقوطه، بل قد تؤدي، paradoxically، إلى إعادة إنتاجه في صيغة أكثر تشدداً.

السيناريو الأكثر واقعية، في المدى المنظور، ليس إسقاط النظام بضربة خارجية، بل استنزافه تدريجياً عبر مزيج من الضغوط الاقتصادية، والعزلة الدولية، والتآكل الداخلي البطيء. في مثل هذه الحالات، لا يحدث التغيير نتيجة حدث واحد، بل نتيجة تراكم طويل من التحولات التي تنضج في لحظة مفصلية.

إيران اليوم لا تقف على حافة حرب حتمية، لكنها أيضاً لم تعد بعيدة عن نقطة التحول التاريخي. وبين الردع والانفجار، يبقى مستقبل النظام الإيراني معلقاً على عامل واحد حاسم: ليس قوة الضربة الخارجية، بل هشاشة الداخل عندما تبلغ حدودها القصوى.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى