
يتابع حزب غد الثورة الليبرالي المصري بقلقٍ بالغ التطور المتسارع في حجم الدين الخارجي، في لحظة اقتصادية دقيقة تتزامن مع ضغوط تضخمية، وتراجعٍ واضح في القوة الشرائية، وانكماشٍ متواصل في الطبقة المتوسطة. الأرقام الرسمية وحدها تكفي لتؤكد أن المسألة لم تعد بندًا ماليًا عابرًا، بل قضية استقرار اقتصادي واجتماعي تمس حاضر المصريين ومستقبلهم.
أولًا: قفزة غير مسبوقة في الحجم
ارتفع الدين الخارجي من 46.1 مليار دولار في نهاية العام المالي 2013/2014 إلى نحو 161.2 مليار دولار وفق بيانات البنك المركزي (الربع الثاني 2024). تضاعف الدين أكثر من ثلاث مرات خلال عقد واحد، دون أن يصاحبه تضاعف مماثل في الإنتاج أو الصادرات أو القيمة المضافة للاقتصاد الوطني.
ثانيًا: تجاوز نسبة الدين إلى الناتج المحلي حدود الأمان
تبلغ نسبة الدين إلى الناتج المحلي نحو 46% تقريبًا، استنادًا إلى تقديرات ناتج يناهز 349 مليار دولار، متخطية النطاق الآمن المتعارف عليه دوليًا (40–45%). هذه النسبة تضع الاقتصاد في منطقة هشاشة تجعله أكثر عرضة لتقلبات الأسواق العالمية وأسعار الفائدة.
ثالثًا: اختلال خطير في نسبة الدين إلى الصادرات
مع صادرات سلعية وخدمية تدور حول 40 مليار دولار تقريبًا، تصل نسبة الدين الخارجي إلى الصادرات إلى نحو 400%، في حين تشير الأدبيات الاقتصادية إلى أن الحد الآمن لا يتجاوز 200%. هذا الخلل يعكس فجوة واضحة بين الالتزامات الخارجية وقدرة الاقتصاد على توليد النقد الأجنبي.
رابعًا: خدمة الدين تلتهم الموارد العامة
تستحوذ أقساط وفوائد الدين على النصيب الأكبر من الإنفاق العام، ما يقلص المساحة المتاحة للصحة والتعليم والاستثمار الإنتاجي. استمرار هذا الاتجاه يعني تضاؤل الدور التنموي للدولة لصالح أولوية السداد.
خامسًا: ضغط مباشر على سعر الصرف ومعدلات التضخم
ارتفاع خدمة الدين الخارجي يضاعف الطلب على العملات الأجنبية، ويضغط على العملة المحلية، ويغذي موجات تضخم متلاحقة يتحملها المواطن في أسعار الغذاء والطاقة والنقل والخدمات الأساسية.
سادسًا: تراجع العدالة في توزيع أعباء الأزمة
تعتمد السياسات المالية بدرجة أكبر على الضرائب غير المباشرة ورفع أسعار الخدمات، ما يثقل كاهل الفئات الأقل دخلًا، في ظل استمرار ثغرات التهرب الضريبي وضعف كفاءة التحصيل من الشرائح الأعلى دخلًا.
سابعًا: فجوة بين أولويات الإنفاق والعائد الإنتاجي
تُوجَّه موارد ضخمة إلى مشروعات لا تولّد عائدًا نقديًا خارجيًا مباشرًا، بينما تحتاج القطاعات الصناعية والزراعية والتصديرية إلى دعم حقيقي يرفع القدرة التنافسية ويقلل الاعتماد على الواردات.
ثامنًا: هشاشة الاحتياطي أمام تضخم الالتزامات
رغم إعلان احتياطي نقدي يقارب 51 مليار دولار، فإن مقارنة هذا الرقم بإجمالي الدين وحجم المدفوعات السنوية تكشف أن هامش الأمان يتآكل مع كل استحقاق جديد.
وانطلاقًا من هذه المعطيات، يطرح حزب غد الثورة الليبرالي المصري المقترحات التالية:
1- وقف التوسع في الاقتراض الخارجي الجديد، وقصره على مشروعات إنتاجية قادرة على توليد تدفقات نقد أجنبي واضحة ومباشرة.
2- إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام، بخفض المصروفات غير الضرورية، وتوجيه الموارد إلى التعليم والصحة والصناعة والزراعة.
3- إطلاق برنامج وطني عاجل لزيادة الصادرات، عبر تحفيز الصناعات التصديرية، وتبسيط الإجراءات، وخفض تكلفة الإنتاج.
4- تنفيذ إصلاح ضريبي قائم على العدالة التصاعدية، يوسّع القاعدة الضريبية، ويغلق منافذ التهرب، ويخفف العبء عن محدودي الدخل.
5- تعزيز الرقابة البرلمانية والشفافية الكاملة في كل اتفاقات الاقتراض، مع إعلان تكلفتها الحقيقية وأثرها المتوقع.
6- إقرار سقف تشريعي واضح لنسبة الدين إلى الناتج المحلي، لا يُتجاوز إلا بقرار برلماني مُسبب ومحدد المدة.
إن معالجة أزمة الدين تتطلب إرادة سياسية تعيد الاعتبار للإنتاج والعدالة والشفافية. وقف نزيف الاقتراض هو الخطوة الأولى لاستعادة التوازن المالي، وبناء اقتصاد قوي مستقل قادر على حماية قراره الوطني.
رئيس الحزب
د. أيمن نور
24 فبراير 2026







