شباك نورمقالات وآراءوجوه نسائية لا تغيب

د. أيمن نور يكتب: وجوه لا تغيب – نجمة إبراهيم

لم تكن نجمة إبراهيم مجرّد ممثلة أتقنت أدوار الشر، بل كانت حكاية روحٍ اختارت طريقها حين تفرّعت الدروب، وامرأةً كتبت اسمها في سجل الوطن لا في فهرس الطوائف. ولدت في القاهرة عام 1914، باسم بوليني أوديون، لأسرة يهودية مصرية، قبل أن يصوغها الفنّ وتعيد هي صياغة نفسها.
طفلةٌ لم تكمل دراستها في مدرسة الليسية، لكنها أكملت درسًا أكبر في مسرح الحياة. انجذبت إلى الخشبة باكرًا، وغنّت ورقصت في الفرق المسرحية، بصوتٍ قيل عنه إنه قويّ، وبإحساسٍ كان يسبق الكلمات إلى القلوب. كانت تغنّي المونولوج، وتضحك، ثم تعود إلى غرفتها محمّلةً بأسئلة العمر.


أزمة الثلاثينيات الاقتصادية لم تُغلق أبواب المصارف وحدها، بل أغلقت أبواب المسارح أيضًا. انحسر الضوء، واضطرت نجمة إلى ترك الفنّ، لا هزيمةً بل انتظارًا. حملت قلمًا بدل الميكروفون، وعملت صحفية في مجلة «اللطائف المصورة» التي كان يديرها أسكندر مكاريوس، وهناك تعرّفت إلى قدرٍ جديد.
قصة حبٍّ نشأت بينها وبين زميلٍ مسلم. طلب الزواج، واشترط الإسلام. لم تتردّد طويلًا. اعتنقت الإسلام عام 1932، وعمرها ثمانية عشر عامًا. غير أن الزواج لم يكتمل، وانفصل الطريقان، وبقي الإيمان. لم يكن القرار نزوة عاطفية، بل تحوّلًا داخليًا تمسّكت به، وحفظت القرآن، وأقامت ندواتٍ أسبوعية للحديث عن الدين، حتى لُقّبت بـ«المتصوّفة».


أربعينيات القرن الماضي أعادتها إلى الفنّ، لكن بوجهٍ آخر. برعت في أدوار الشرّ حتى ظنّها البعض شريرةً في حياتها. كانت تُرعب المشاهدين على الشاشة، ثم تمتنع عن مشاهدة أفلامها لأن قلبها الرقيق لا يحتمل قسوة الدور. كم من مرةٍ اختبأت خلف ستار المسرح، تبتسم لطفلٍ خاف منها!
تزوّجت من عبد الحميد حمدي، ثم افترقا، قبل أن ترتبط بالفنان والملحّن عباس يونس، الذي صار رفيق دربها وملقّن أدوارها، وشريك ضعفها وقوّتها. وحين خانها البصر، لم يخنها هو؛ كان يقرأ لها السيناريو، ويصحبها إلى البروفات، لتظل واقفةً أمام الضوء وإن أظلمت العين.


مفارقةٌ موجعة في العائلة: شقيقتها راقية إبراهيم اختارت طريقًا آخر، واتُّهمت بالعمل لصالح إسرائيل، بينما نجمة كانت تخصّص إيراد مسرحياتها لتسليح الجيش المصري، وترفض مغادرة مصر حين هاجرت عائلتها. هنا لم يكن الاختلاف في الدين، بل في الانتماء.


عام 1964 نالت وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى، ثم منحها الرئيس أنور السادات وسام الاستحقاق عام 1975 ومعاشًا استثنائيًا تقديرًا لعطائها. قبل ذلك، قرر الرئيس جمال عبد الناصر علاجها على نفقة الدولة عام 1965 في إسبانيا حين كاد البصر أن ينسحب من حياتها. عادت مبصرة، لكن الجسد كان قد بدأ رحلته مع المرض.


شللٌ أبعدها عن الأضواء ثلاثة عشر عامًا، حتى رحلت في 4 يونيو 1976. رحلت نجمة، وبقي الاسم. بقيت الحكاية عن امرأةٍ ولدت يهودية، وعاشت مسلمة، وماتت مصرية.
نجمة إبراهيم لم تكن درسًا في التحوّل الديني بقدر ما كانت درسًا في المعنى: أن الوطن ليس بطاقة هوية، بل موقف. وأن الفنّ قد يصنع وجهًا على الشاشة، لكن الحياة وحدها تصنع الوجه الذي لا يغيب.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى