
تعتزم السلطات المصرية المضي قدما في تنفيذ سياسات مالية متشددة تظهر بوضوح ضمن بنود مشروع موازنة 2026/2027 والتي تعكس توجها لتقليص النفقات الاجتماعية، وتستهدف الخطة الحكومية الجديدة خفض مخصصات دعم المحروقات والكهرباء بشكل ملموس مع التركيز على رفع الحصيلة الضريبية لتصل إلى 2.8 تريليون جنيه، وتأتي هذه التحركات في وقت تروج فيه الدوائر الرسمية لتحسن المؤشرات الكلية وارتفاع الاحتياطي النقدي الأجنبي ليتجاوز 52.6 مليار دولار بنهاية شهر يناير الماضي، فالموازنة الجديدة تضع المواطن أمام تحديات معيشية صعبة نتيجة الإصرار على استكمال سياسة تحرير الأسعار وتوسيع القاعدة الضريبية بشكل غير مسبوق.
تظهر وثائق مشروع موازنة 2026/2027 رغبة حكومية في خفض العجز الكلي ليصل إلى 4.9% بدلا من 7.3% المسجلة في العام المالي الحالي، ويتحقق هذا المستهدف من خلال التوسع في جباية الإيرادات التي يتوقع أن تتخطى 3.5 تريليونات جنيه يعتمد معظمها على الضرائب المباشرة وغير المباشرة، وتتضمن التوجهات الرسمية تحويل منظومة الدعم العيني إلى دعم نقدي مشروط يتم صرفه عبر بطاقات مخصصة للشراء من سلاسل تجارية تابعة لجهات سيادية، وهو ما يثير انتقادات حول تعميق حضور المؤسسات غير المدنية في النشاط الاقتصادي اليومي وتوجيه القوة الشرائية المحدودة نحو منافذ محددة سلفا بعيدا عن آليات السوق المفتوحة.
ضغوط الإنفاق على المشروعات الكبرى وتصاعد أزمة الديون
تستمر الحكومة في تخصيص مبالغ ضخمة لاستكمال المرحلة الثانية من العاصمة الإدارية الجديدة رغم الانتقادات الموجهة لجدوى الإنفاق الملياري على مشروعات لا تلمس الاحتياجات الأساسية، ويشير مشروع موازنة 2026/2027 إلى أن أولويات الدولة لا تزال تنحاز للمشروعات الإنشائية الكبرى على حساب تخفيف أعباء التضخم وتآكل القدرة الشرائية، وتلتهم خدمة الدين العام الجزء الأكبر من مصروفات الدولة مما يفرض قيودا حادة على مخصصات الصحة والتعليم والخدمات الأساسية، وتؤدي هذه المعادلة إلى استمرار حالة التقشف التي تفرضها السلطة تحت دعاوى الإصلاح المالي بينما يظل العائد الاجتماعي لهذه السياسات محل تساؤلات قانونية واقتصادية واسعة.
تواجه الميزانية العامة مخاطر متزايدة جراء تقلبات أسعار النفط العالمية الناتجة عن التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط مما يهدد فاتورة الاستيراد، وقد أكد الخبير الاقتصادي مدحت نافع أن هيكلة الدين العام قد توفر متنفسا مؤقتا لكنها لا تعالج جذور الأزمة المالية في ظل وجود ثقوب سوداء في المصروفات، وشدد نافع على ضرورة وضع إطار حاكم لترشيد الإنفاق على المشروعات الاستثمارية الكبرى التي تستنزف السيولة دون مردود سريع، ومع ذلك يظهر مشروع موازنة 2026/2027 إصرارا على اتباع ذات النهج الذي يحمل الفئات المتوسطة والفقيرة كلفة الإصلاح بينما يتم التوسع في الإنفاق الحكومي المظهري والمشروعات غير الإنتاجية.






