مقالات وآراء

حسام بدراوي يكتب : الخوف

السياسة في جوهرها إدارةٌ للإمكانات لا للمخاوف. غير أن المجتمعات حين تمرّ بلحظات اضطراب حاد، تتغير أولوياتها، ويتحوّل الإحساس بالأمان إلى القضية المركزية التي تعيد تشكيل المجال العام بأكمله.


ما شهدته منطقتنا خلال العقد الماضي لم يكن مجرد صراع على السلطة، بل كان تحوّلًا عميقًا في الوعي الجمعي، من رهبة الحاكم إلى رهبة الفوضى، ومن التطلع إلى الحرية إلى التمسك بالاستقرار.


في ظل تجارب مرتبكة ومكلفة، أعادت قطاعات واسعة تعريف معنى الشرعية، فتصدر الخوف المشهد بوصفه محددًا أساسيًا للحكم. ومع الوقت، لم يعد الخوف مجرد رد فعل على لحظة استثنائية، بل أخذ يتسلل إلى بنية القرار السياسي ذاته، حتى كاد يتحول إلى منطق دائم لإدارة الدولة.
غير أن تحويل الخوف إلى أساس للشرعية يطرح سؤالًا استراتيجيًا بالغ الأهمية: هل يمكن لدولة تُدار بعقلية الطوارئ أن تبني مستقبلًا مستدامًا؟ وهل يوفر تركيز السلطة في يد واحدة استقرارًا حقيقيًا، أم يؤجل توترًا كامناً ينتظر لحظته؟

كتب الأستاذ عماد الدائمي – وهو كان نائبًا في المجلس الوطني التأسيسي الذي صاغ دستور 2014 في تونس، ويُعد من الشخصيات القريبة من التيار الديمقراطي المدني – عبارة تستحق التأمل:


«الخوف أكبر عدوّ للسياسة».

العبارة تستحق التأمل: إنها ليست جملة بلاغية عابرة، بل توصيف دقيق لمرحلة كاملة عاشتها المنطقة العربية منذ موجة الربيع العربي.
في لحظة اندفاع جماهيري غير مسبوقة، بدا أن الشعوب كسرت حاجز الخوف. خرجت تطالب بالكرامة والعدالة والحرية، فسقطت أنظمة واهتزت أخرى، وانفتح الأفق على احتمالات جديدة. لكن ما تلا ذلك كان أشبه بزلزال سياسي عميق.
الفوضى التي أعقبت بعض التجارب، والانقسامات المجتمعية، وانهيار مؤسسات الدولة في حالات معينة، أعادت إنتاج الخوف ولكن بصيغة مختلفة.

لم يعد الخوف من السلطة وحدها، بل صار الخوف من غيابها.
الخوف من الفوضى، من الانهيار الاقتصادي، من الحرب الأهلية، ومن البديل المجهول.

وهكذا دخل الخوف المجال العام لا كحالة نفسية عابرة، بل كمنطق حكم. حين يسود الخوف، تنكمش السياسة وتتحول من مشروع بناء إلى آلية دفاع، تُدار الدول بعقلية الطوارئ لا بعقلية التخطيط، وتصبح القرارات ردود أفعال لاحتواء اللحظة، لا سياسات لصناعة المستقبل. ساعتها يغدو الاستقرار قيمة مطلقة حتى لو كان هشًا.
في مناخ القلق المتبادل، لا تثق الدولة في مجتمعها، ولا يثق المجتمع في دولته. يتجمد الإصلاح، ويتحول التداول السلمي للسلطة من حق دستوري إلى مخاطرة وجودية. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: الخوف الذي استُدعي لحماية الدولة يبدأ في إنهاكها تدريجيًا.

التاريخ السياسي يخبرنا أن السلطة المطلقة التي تولد من رحم الفوضى غالبًا ما تبرر نفسها بوظيفة الحماية:
«نحن السدّ أمام الانهيار»، «نحن الضامن للاستقرار».
وفي لحظات الخطر، تقبل المجتمعات تقليص الحريات مقابل الشعور بالأمان. لكن هذه المعادلة غير مستدامة بطبيعتها، فالسلطة التي تتوسع بدعوى الضرورة، إن لم تُقيَّد بالدستور والمؤسسات، تميل إلى الاستمرار. وما كان استثناءً مؤقتًا يتحول إلى وضع دائم.
من أوروبا إلى أمريكا اللاتينية، ومن آسيا إلى منطقتنا، يُظهر التاريخ أن غياب آليات تداول السلطة السلمي يراكم الاحتقان تحت سطح الاستقرار، حتى ينفجر بثورة أو انقلاب أو انهيار مفاجئ.

ربما كانت الموجة الأولى من الثورات كسراً لحاجز الخوف من الحاكم، لكن المرحلة التالية كشفت خوفًا أعمق: الخوف من المجهول. ووقعت المجتمعات في معادلة صعبة: فوضى تهدد بقاء الدولة، أو سلطة مطلقة تُجمّد مستقبلها.

المأزق الحقيقي أن هذه المعادلة غير قابلة للاستمرار. الخوف مفهوم إنساني مشروع، لكنه حين يتحول إلى أساس للشرعية السياسية يصبح عبئًا تاريخيًا. المجتمعات التي عاشت اضطرابًا حادًا تميل إلى الاحتماء بالقوة، وتتسامح مع تضييق المجال العام إذا وُعدت بالأمان. لكن السؤال الجوهري يبقى: هل الاستقرار القائم على تركيز السلطة في يد واحدة يمكن أن يدوم؟
التاريخ يقول لا.

لذلك فإن هناك مسؤولية تاريخية تقع على عاتق أي سلطة تصل بعد فوضى. إنها تملك فرصة نادرة لإعادة بناء الدولة مؤسسيًا على أسس أكثر توازنًا وعدلًا. لكن إن استُخدمت تلك اللحظة لترسيخ حكم فردي طويل الأمد، وتهميش المجال العام، وتضييق مساحات المشاركة، فإن الفرصة تضيع، ويتحول الخوف إلى قاعدة دائمة للحكم.

الخطر الأكبر اليوم ليس انفجارًا، بل تراكمًا صامتًا:
جيل يعيش قلقًا اقتصاديًا مستمرًا، ونخب تعمل في هامش ضيق، في إطار مجال عام مرتبك بين الولاء والخشية، ودولة تتحرك بعقلية دفاع دائم.
في هذا المناخ، لا يتشكل مستقبل حقيقي، بل تُدار الأزمات. والدول لا تسقط فقط بالثورات، بل حين تفقد القدرة على التطور.

التجارب التاريخية تشير إلى أن أي سلطة مطلقة نشأت بدافع الخوف من الفوضى، ولم تُحوّل شرعيتها الأمنية إلى شرعية دستورية، واجهت مصيرًا صعبًا. السلطة التي تقتنع وتقنع مجتمعها بأنها ضرورة مؤقتة، ثم تتحول إلى قدر دائم، تزرع تحت سطح الاستقرار توترًا مؤجلاً. والتوتر المؤجل لا يختفي… بل ينتظر لحظته.

الذكاء والوطنية هو الخروج من هذا المأزق الذي لا يكون بإحياء الفوضى، ولا بتكريس الاستبداد، بل ببناء دولة دستورية حقيقية.
ديمقراطية لا تُختزل في انتخابات شكلية، بل تقوم على فصل حقيقي بين السلطات، واستقلال القضاء، وإعلام حر ومسؤول مع ضمان واضح لتداول السلطة بآليات مؤسسية مستقرة.
أهم ما في الديمقراطية ليس فوز طرف، بل قدرة المجتمع على تغيير الحاكم دون دماء، ودون أن تهتز الدولة ذاتها. الاستقرار الحقيقي لا يصنعه القمع، كما أن الحرية لا تحميها الفوضى. وما بينهما طريق صعب وطويل، لكنه الطريق الوحيد المستدام: دولة قانون، ودستور يُحترم، وسلطة تُقيَّد، ومجتمع لا يخشى التغيير.

السلطة المطلقة التي تنشأ من خوف الفوضى أمامها خياران:
إما أن تتحول بإرادتها إلى نظام مؤسسي دستوري يطمئن الجميع،
أو تترك البلاد تدور في حلقة مفرغة: خوف من الانهيار، ورفض للاستبداد، واستنزاف بطيء للثقة والطاقة والأمل.

والثمن، إن طال الانتظار، يكون أكبر بكثير من كلفة الإصلاح اليوم.

الدول لا تُحكم بالخوف، ولا تُبنى برد الفعل، بل تُصان حين يتحول الدرس القاسي إلى شجاعة إصلاح، ويتحول القلق إلى رؤية، والسلطة إلى مسؤولية تاريخية لا إلى ملاذ آمن من المجهول.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى