أزمة الهوية والسيادة تشتعل عقب مقترح تحويل العاصمة الإدارية إلى مقاطعة ممفيس

تصدرت التطورات الإدارية الأخيرة المشهد السياسي في البلاد عقب طرح مشروع قانون الإدارة المحلية الذي تقدم به النائب محمد عطية الفيومي، حيث تضمن المقترح بنودا تمنح العاصمة الإدارية الجديدة وضعا قانونيا مغايرا تحت مسمى مقاطعة ممفيس وتتمتع بصلاحيات واسعة، ويقضي التشريع الجديد بمنح رئيس الجمهورية سلطة تعيين رئيس لهذه المقاطعة ليكون له صلاحيات المحافظ والوزير معا، مع تشكيل مجلس أمناء يعاونه في إدارة شؤون هذا الكيان الإداري المستحدث بعيدا عن آليات الانتخابات المحلية التقليدية المعمول بها في المحافظات المصرية الأخرى،
تثير تسمية العاصمة الجديدة بمصطلح ممفيس تساؤلات تاريخية وقانونية عديدة نظرا لكون الاسم يمثل الصيغة اليونانية لمدينة منف العاصمة المصرية القديمة، ويشير الباحثون في التاريخ إلى أن هذا التحريف اللفظي ظهر عقب دخول الإسكندر الأكبر إلى مصر في عام 332 قبل الميلاد مما يجعله اسما دخيلا على الهوية الأصلية، وتعد مقاطعة ممفيس في هذا السياق توجها نحو استدعاء الرموز التاريخية المرتبطة بالعصور الإغريقية وتفضيلها على المسميات العربية أو المصرية الخالصة التي تعبر عن العمق الحضاري الممتد للدولة، مما أدى إلى حالة من التباين في القراءات السياسية لهذا الاختيار،
يتجاوز الجدل حدود التسمية ليصل إلى طبيعة النظام الإداري الذي يؤسس لكيان قانوني يتمتع بخصوصية تامة داخل هيكل الدولة المركزية، حيث يمنح مشروع القانون مقاطعة ممفيس استقلالية في الإدارة والقرار تتخطى الإطار التقليدي للمحافظات المعمول به منذ عقود طويلة، ويحذر المتخصصون في القانون الدستوري من أن استحداث نظام المقاطعات قد لا يتماشى مع طبيعة الدولة الموحدة خاصة وأن القاهرة لا تزال هي العاصمة الرسمية بنص الدستور، بينما يتركز في الكيان الجديد مقار الرئاسة والحكومة والبرلمان والبعثات الدبلوماسية الأجنبية مما يخلق واقعا إداريا مزدوجا يتطلب مراجعة دقيقة،
تأتي هذه التحركات الإدارية في ظل تكلفة إجمالية للمرحلة الأولى من المشروع بلغت نحو 800 مليار جنيه مصري مما يضع المقترح في مواجهة معلومات الواقع الاقتصادي الراهن، ويهدف مشروع مقاطعة ممفيس إلى إيجاد بيئة استثمارية وإدارية عالمية تجذب رؤوس الأموال وتوفر بنية تحتية متطورة تليق بمؤسسات الحكم والشركات الدولية، إلا أن الربط بين هذا التطور وبين مسميات تاريخية ارتبطت بفرنسا في القرن التاسع عشر زاد من تعقيد المشهد العام، حيث يرى مراقبون أن الدولة تسعى لصناعة واجهة عصرية تتناسب مع طموحات النخبة الاقتصادية والسياسية في المرحلة المقبلة،
تؤكد المعلومات الرسمية أن التوجه نحو إنشاء مقاطعة ممفيس يأتي كجزء من رؤية شاملة لإعادة هندسة المجال العمراني والإداري في مصر بما يخدم أهداف التنمية المستدامة، ويتضمن الهيكل التنظيمي المقترح توزيعا للصلاحيات يضمن سرعة اتخاذ القرار بعيدا عن البيروقراطية المعتادة مما يوفر مرونة كبيرة في إدارة الأصول والموارد التابعة للعاصمة الجديدة، وتظل التحديات المرتبطة بالهوية الوطنية والمركزية الإدارية هي المحور الأساسي في النقاشات الأكاديمية والسياسية حول مستقبل هذا الكيان الجغرافي الذي يسعى لفرض واقع سياسي واقتصادي جديد يتواكب مع المتغيرات العالمية المتسارعة في نظم إدارة المدن الكبرى،







