
ترددتُ كثيرًا في الكتابة عن موضوع المصالحة الوطنية الممكنة.
لم يكن ترددي خوفًا من الفكرة، بل إدراكًا لثقلها في وجدانٍ عربيٍّ مُنهك بالاستقطاب.
أعرف أن مجرد الاقتراب من هذا الملف يثير عواصف من التأويل، وموجات من القبول والرفض، وأن الكلمة فيه تُقرأ دون أن تُفهم.
حتى قرأتُ بالامس مقال الصديق العزيز، النائب التونسي المهندس عماد الدائمي، المرشح للانتخابات الرئاسية التونسية الأخيرة، وأحد القيادات الديمقراطية العربية ذات الثقل والتأثير والرؤية المعتدلة الواضحة.
وجدتني أمام نصٍّ يتجاوز حدود تونس، ويخاطب الضمير العربي كله. فهو رجل دولة يتحدث بعقل استراتيجي، لا بعاطفة لحظة.
كتب الدائمي:
«هشاشة الاقتصاد مع أزمات السياسة وتسارع التحولات الإقليمية والدولية، وسط تهديدات وجودية تمس السيادة ووحدة الدول وقدرتها على الاستمرار».
هذه ليست جملة افتتاحية فحسب، بل توصيف دقيق للحظة عربية مكثفة. فالاقتصاد حين يضعف، والسياسة حين تنقسم، تصبح الدولة مكشوفة في وجه التحولات الكبرى.
ثم يضيف:
«تنقلب الانقسامات الداخلية من خلافات سياسية قابلة للإدارة إلى نقاط ضعف بنيوية قابلة للاستغلال».
هنا تتجلى عبقرية الطرح. فالخلاف ليس خطرًا في ذاته، بل خطره في أن يُترك بلا تنظيم. حين يُدار الخلاف داخل قواعد وطنية واضحة يصبح مصدر ثراء، وحين يُترك بلا أفق يتحول إلى ثغرة.
هذا الفهم للمصالحة بوصفها هندسة لإدارة الاختلاف، لا مجرد هدنة، هو ما يجعل مقاله يمثّلني شخصيًا، ويمثّلني حزبيًا.
فالرؤية الليبرالية التي نؤمن بها ترى أن الدولة القوية ليست تلك التي تُقصي التنوع، بل التي تنظّمه.
كتب الدائمي كذلك:
«المصالحة الوطنية، في معناها الجوهري، هي إعادة تأسيس للمجال السياسي بحيث يتحول الخلاف من معركة إقصاء إلى تنافس منظم داخل عقد اجتماعي جامع».
هذا التعريف يحرر المصالحة من الاتهام بأنها صفقة، ويعيدها إلى مكانها الطبيعي: مشروع إعادة بناء للشرعية.
الشرعية التي تقوم على الغلبة تظلّ معلّقة على ميزان القوة. أما الشرعية التي تقوم على الشراكة فتستمدّ قوتها من اتساعها. والتاريخ الحديث يثبت أن الدول التي نجحت في إدارة انتقالاتها السياسية عبر مسارات تفاوض مؤسسية — من جنوب أفريقيا إلى إسبانيا إلى تشيلي — استطاعت تحويل الانقسام إلى طاقة استقرار.
في مصر، السؤال لا ينبغي أن يُختزل في ثنائية ضيقة بين طرفين.
المشكلة الكبرى في تناول فكرة المصالحة أنها تُحاصر عمدًا في نقطة صفرية، وكأنها مواجهة بين “الإخوان والنظام”. هذا اختزال يفرغ الفكرة من مضمونها الوطني.
المصالحة الممكنة — كما أفهمها وأتبناها — هي مصالحة بين مكونات الجماعة الوطنية المصرية كافة: قوى سياسية مدنية، تيارات فكرية، شباب مستقل، مجتمع مدني، نقابات، نخب أكاديمية، ومؤسسات دولة.
هي إعادة ترتيب للعلاقة بين الدولة والمجتمع، لا مجرد تسوية مع فصيل بعينه.
كتب الدائمي عن «إعادة وصل السياسة بالدولة كشرط للتحول».
وأحسب أن هذا هو جوهر الإصلاح. فالدولة التي تفصل نفسها عن السياسة تفقد أدوات التوازن، وتُضعف قدرتها على امتصاص الصدمات.
الحوار الوطني هنا ليس ترفًا ولا إجراءً شكليًا.
هو حجر الزاوية. هو المساحة التي تُصاغ فيها الضمانات المتبادلة، وتُعاد فيها كتابة قواعد التنافس، ويُبنى فيها الحد الأدنى من الثقة.
المصالحة تحتاج إلى ضمانات تطمئن إليها جميع الأطراف: استقلال القضاء، نزاهة الانتخابات، احترام الدستور، حرية التنظيم، شفافية المجال العام. دون هذه الضمانات تبقى المصالحة شعارًا بلا أرضية.
أشار الدائمي إلى أن المصالحة ليست نسيانًا للماضي، بل إدارة له دون تحويله إلى أداة انتقام دائم.
وهذا توازن بالغ الدقة: عدالة بلا تشفٍّ، واستقرار بلا قمع.
حين تحدث عن دور المملكة العربية السعودية، لم يكن ذلك مجاملة سياسية، بل قراءة استراتيجية. دولة بثقل المملكة، إذا نجحت في طرح نموذج توافقي ، فإن أثر ذلك يتجاوز حدود الإقليم كله.
فالاستقرار الداخلي بالاقليم، يمنح وزنًا خارجيًا، ويحوّل المنطقه إلى نقطة ارتكاز في نظام إقليمي ودولي مضطرب.
الدراسات الاقتصادية تؤكد أن الدول ذات التوافق السياسي الواسع تسجل معدلات استثمار أعلى، واستقرارًا ماليًا أطول، وانخفاضًا في كلفة إدارة الأزمات. فالمصالحة ليست خيارًا أخلاقيًا فقط، بل مصلحة تنموية صريحة.
ما كتبه عماد الدائمي لا أراه اجتهادًا تونسيًا معزولًا، بل مشروعًا عربيًا قابلًا للنقاش والتطوير.
وهو في تقديري يعبر عن رؤية أتبناها فكريًا وحزبيًا، تقوم على أن الدولة الوطنية لا تُحفظ بالقوة وحدها، بل بالشراكة.
يبقى السؤال الأصعب، والأكثر صدقًا:
هل باتت أطراف المعادلة السياسية في عالمنا العربي تملك الإرادة السياسية للخروج من نقطة الصفر؟
هل نملك الشجاعة لاعتبار المصالحة مشروع بناء لا مشروع تنازل؟
الإجابة لن تُكتب في المقالات، بل في الإرادات.
لكن النقاش الصريح هو الخطوة الأولى في الطريق.
رابط المقال الأصلي للمهندس عماد الدائمي:
(عماد الدائمي يكتب: المصالحة الوطنية الممكنة في دولنا العربية.. ضرورة وجودية)







