مقالات وآراء

إسلام الغمري يكتب: باكستان وأفغانستان..من يربح من اشتعال حدود آسيا؟


ما يجري اليوم على حدود باكستان وأفغانستان ليس مجرد مواجهة عابرة، بل اختبار جديد لقدرة آسيا على تجنّب الانزلاق إلى صراعات تُرسم خارج جغرافيتها.

التصعيد على الحدود بين باكستان وأفغانستان لا يمكن فهمه باعتباره حادثاً ميدانياً معزولاً. فمع توالي الأخبار عن الاشتباكات العنيفة واستخدام الأسلحة الثقيلة وإغلاق بعض المعابر الحيوية، يبرز سؤال أعمق من تفاصيل المعركة نفسها: كيف تتحول حدود يفترض أن تكون مجالاً للتواصل بين شعبين متجاورين إلى مصدر توتر دائم في لحظة إقليمية شديدة الحساسية؟

الأخطر في هذا المشهد أن قراءته ضمن الإطار المحلي فقط قد تُفقدنا القدرة على فهم أبعاده الحقيقية. فالتاريخ الحديث يبيّن أن النزاعات الحدودية في البيئات الهشة غالباً ما تتجاوز أسبابها المباشرة، لتصبح جزءاً من توازنات أوسع تتداخل فيها الحسابات الأمنية والضغوط السياسية وتنافسات النفوذ الإقليمي والدولي.

ما يغيب عن كثير من القراءات أن ميزان القوة بين البلدين يحمل مفارقة واضحة. فباكستان دولة نووية تمتلك قدرات عسكرية كبيرة وثقلاً بشرياً ومؤسسياً، بينما تحاول أفغانستان تثبيت معادلة استقرار داخلي بعد عقود من الصراع. لذلك، فإن أي تصعيد طويل لا يغيّر فقط قواعد الاشتباك على الحدود، بل يطرح أسئلة حول كيفية توظيف القوة ضمن رؤية استراتيجية بعيدة المدى.

على الصعيد الميداني، لا يمكن فصل هذه الاشتباكات عن جذورها المباشرة المتمثلة في الإرث التاريخي المعقد لـ «خط ديورند» الحدودي الذي ترفض كابول الاعتراف به، والاتهامات الباكستانية المستمرة لجارتها بتوفير ملاذات آمنة لعناصر «حركة طالبان باكستان» (TTP). المشكلة أن هذا النوع من الصراعات لا ينشأ عادةً بسبب حادث حدودي واحد، بل نتيجة تراكم بيئة إقليمية تسمح بتحويل الخلافات الأمنية الصغيرة إلى أزمات كبرى. وفي كل مرة يتكرر فيها هذا النمط، نجد أن الدول المنخرطة ميدانياً تتحمل الكلفة المباشرة، بينما تعاد صياغة التوازنات بعيداً عن حدودها الفعلية.

من منظور جيوسياسي، تبدو الهند من بين أبرز المستفيدين من إبقاء الجيش الباكستاني منشغلاً على جبهته الغربية، بما يخفف الضغط الاستراتيجي على حدودها. وفي المقابل، تبدو الصين من بين المتضررين المحتملين، نظراً لما قد يسببه عدم الاستقرار من تهديد لاستثماراتها الكبرى في «الممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني» (CPEC). وفي هذا السياق، تذهب بعض القراءات إلى أن استمرار التوتر قد يخدم مصالح قوى كبرى تسعى إلى إبطاء مشاريع الربط الآسيوية، إذ إن انشغال الدول بصراعات حدودية طويلة يقلل من قدرتها على التركيز على التنمية والبناء.

بالنسبة لأفغانستان، تبدو المعادلة شديدة الحساسية. فالبلاد تسعى للخروج من إرث طويل من الحروب، وأي ضغط أمني إضافي قد يعرقل جهود الاستقرار الاقتصادي والسياسي. لذلك، فإن استمرار التوتر الحدودي لا يمثل مجرد تحدٍّ أمني، بل اختباراً لقدرة الدولة على الانتقال من منطق الصراع إلى منطق البناء.

أما باكستان، فإن الانخراط في مسار استنزاف طويل قد يضاعف الأعباء الاقتصادية والسياسية في وقت تحتاج فيه إلى قدر كبير من التركيز على ملفات الداخل. ويذهب بعض المحللين إلى أن إدارة التوازن بين حماية أمن الحدود ومواجهة التهديدات المسلحة، وبين تجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة تستنزف موارد الدولة، تمثل التحدي الأكبر أمام صناع القرار في إسلام آباد خلال هذه المرحلة.

الآن، ومع تكرار الإغلاق الحدودي والتصعيد الجوي والبري المتبادل، يبدو واضحاً أن المشهد يتجاوز ردود الفعل الآنية. فاستمرار هذا النمط يخلق حالة عدم استقرار مزمنة، وقد يفتح الباب أمام تدخلات سياسية أو أمنية أوسع، وهو سيناريو شهدته مناطق أخرى عندما تحولت النزاعات المحدودة إلى أزمات ممتدة.

ولا يمكن عزل ما يحدث في جنوب آسيا عن التوترات الأوسع في الشرق الأوسط، خصوصاً مع تصاعد الحديث عن احتمالات مواجهة أمريكية–إسرائيلية مع إيران. فبعض القراءات ترى أن تعدد الجبهات المشتعلة في محيط آسيا يساهم في إعادة توزيع الضغط الجيوسياسي، ويُضعف فرص تشكل توازنات إقليمية متماسكة، ما يجعل الأزمات المتباعدة جغرافياً تبدو وكأنها تتحرك ضمن مشهد دولي مترابط.

الأخطر أن استمرار هذا المسار قد يؤدي تدريجياً إلى تطبيع فكرة الصراع، بحيث يصبح التوتر جزءاً من الواقع السياسي اليومي. وعندما يحدث ذلك، تتراجع فرص الحلول الدبلوماسية الطويلة الأمد، بينما تنمو مصالح مرتبطة بإدارة الأزمة بدلاً من إنهائها.

في النهاية، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: من يربح فعلاً من اشتعال هذه الحدود؟ فالتاريخ يشير مراراً إلى أن الأطراف التي تخوض المعارك لا تكون دائماً هي المستفيدة من نتائجها، وأن كلفة الاستنزاف غالباً ما تتجاوز الحسابات التكتيكية قصيرة المدى.

فالتاريخ يثبت دائماً أن الحروب التي تبدأ على الهوامش لا تبقى هناك طويلاً، بل تتحول سريعاً إلى مراكز تعيد تشكيل النظام الإقليمي بأكمله.

وفي عالم تتشابك فيه الجبهات وتتحرك الأزمات كقطع شطرنج على رقعة واحدة، لا يكون الخطر الحقيقي في اندلاع الحروب فقط، بل في التوقيت الذي تُشعل فيه والجهة التي تختار متى تنطفئ.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى