مقالات وآراء

د.أيمن نور يكتب: اليوم الثاني من الحرب..ما بعد الدهشة وما قبل الخرائط الجديدة

اليوم الثاني من الحرب ليس امتدادًا زمنيًا لليوم الأول، بل هو انتقال نفسي من الصدمة إلى الإدراك.
انطفأت دهشة اللحظة الأولى، وبقي وهج الأسئلة. ليلٌ طويل مرّ على الإقليم، ثقيل كأنه يحمل تاريخًا من الإخفاقات، وكأن السماء نفسها تعيد علينا دروسًا لم نحسن قراءتها من قبل.

أصوات الانفجارات في الليلة الماضية لم تكن مجرد دويٍّ عسكري


تقارير عسكرية غربية تحدثت عن ضربات دقيقة استهدفت مواقع صاروخية ومنشآت تحت الأرض، فيما أعلنت طهران اعتراض مسيّرات وإطلاق موجة ردٍّ محدودة. وكالات أنباء دولية أشارت إلى استخدام ذخائر متطورة خارقة للتحصينات، في رسالة تعكس حسابًا دقيقًا لتوازن الردع، لا مجرد رد فعل عابر.

جلسة طارئة في مجلس الأمن انعقدت دون اختراق حقيقي. بيانات دبلوماسية معتادة دعت إلى “ضبط النفس”، بينما ارتفعت أسعار النفط في الساعات الأولى بأكثر من خمس نقاط مئوية قبل أن تتراجع نسبيًا. شركات شحن كبرى أعلنت رفع أقساط التأمين في مضيق هرمز، في إشارة إلى أن الاقتصاد العالمي يدفع فاتورة كل شرارة.

العدوان لم يكن وليد انفعال


قراءة التوقيت تكشف أن القرار سبقته مراجعة معمقة لمعادلات القوة والضعف في الإقليم، وتقدير دقيق لمدى استعداد العواصم الكبرى لتحمل ارتدادات التصعيد. تقارير بحثية غربية أكدت أن الحسابات شملت تقييم قدرات الرد الإيرانية، وحجم المخاطر على القواعد العسكرية المنتشرة في المنطقة.

لا أملك سببًا واحدًا للإعجاب بكثير من السياسات التي انتهجتها #إيران في الماضي، خاصة في سوريا واليمن وربما العراق.
تلك السياسات تركت ندوبًا في الوعي العربي، وأثارت قلقًا مشروعًا لدى شعوب عانت من تمدد الصراعات. غير أنني، في الوقت ذاته، لا أستطيع تجاهل مشاعري تجاه دعم إيران للحق العربي الفلسطيني، ولا إنكار أن حضورها في معادلة المواجهة مع الاحتلال كان عنصرًا مؤثرًا في لحظات فارقة.

التمييز بين نقد السياسات ورفض العدوان ضرورة أخلاقية


الخلاف السياسي لا يمنح أحدًا حق القصف، وانتقاد تدخلات سابقة لا يبرر إعادة رسم الخرائط بالقوة. القانون الدولي، مهما بدا ضعيفًا، يظل الحد الأدنى من الضمير الإنساني في عالم تآكلت فيه المعايير.

الإدارة الأمريكية حضرت بقوة في خلفية المشهد. صحف أمريكية وأوروبية تحدثت عن تنسيق استخباري مكثف، وعن إعادة تموضع دفاعات جوية تحسبًا لرد صاروخي واسع. خطاب رسمي جمع بين دعم “حق الدفاع” والدعوة إلى عدم توسيع المواجهة، وهي معادلة تختبرها الميدان كل ساعة.

الاقتصاد يراقب من نافذة القلق


مؤسسات مالية حذرت من اضطراب سلاسل الإمداد إذا امتدت المواجهة إلى حرب استنزاف بحرية. كل ارتفاع في برميل النفط يعني ضغطًا إضافيًا على ميزانيات دول أنهكها التضخم والدين، ويعني عبئًا جديدًا على المواطن البسيط الذي لا يملك رفاهية قراءة التقارير الاستراتيجية.

الخطاب الذي يدعو الشعوب إلى الثورة تحت هدير الطائرات يثير مفارقة موجعة


تجارب حديثة أثبتت أن إسقاط نظام بقوة خارجية لا يبني دولة مستقرة، بل قد يفتح أبواب فوضى يصعب إغلاقها. الشعوب التي عانت من القمع لا تحتاج إلى وصاية جديدة، بل إلى مساحة حرية تنبع من داخلها.

الأنظمة التي ضيّقت على مجتمعاتها تتحمل نصيبًا من المسؤولية التاريخية.
الدولة التي تستثمر في الإنسان، وفي العدالة، وفي المعرفة، ترفع كلفة العدوان عليها. أما الدولة التي أرهقت مجتمعها بالإقصاء، فإنها تضعف جبهتها الداخلية، وتترك ثغرات يستثمرها الآخرون.

إيران ، بكتلتها السكانية الكبيرة وتاريخها العريق وقدراتها العلمية، ليست تفصيلًا صغيرًا في الجغرافيا السياسية.
استهدافها رسالة إلى الإقليم بأكمله. رسالة تقول إن إعادة تشكيل التوازنات ممكنة بالقوة إذا توافرت اللحظة المناسبة.

مصالح دول محورية كتركيا و مصر و السعودية ترتبط باستقرار المنطقة.
مقارباتها الدبلوماسية المتحفظة تعكس إدراكًا بأن اتساع الحرب لن يربح فيه أحد. لغة التهدئة هنا ليست حيادًا أخلاقيًا، بل تعبير عن مسؤولية ثقيلة تجاه شعوب تبحث عن لقمة عيش وأمان.

التفكك الإقليمي هو الجرح الأعمق


تراجع الثقة، وضعف المؤسسات المشتركة، وتضارب الأولويات، عوامل جعلت أي #دولة قابلة للاختبار في لحظة اشتعال. الأمن القومي ليس شعارًا يُرفع في البيانات، بل شبكة علاقات ومصالح متوازنة ومجتمعات متماسكة.

غضب وحزن وصمت طويل


مشاعر تتزاحم في صدر من يرى الإقليم يتأرجح بين نار الداخل وضغوط الخارج. ومع ذلك، يظل الأمل قائمًا في قدرة الشعوب على مراجعة المسارات، وفي قدرة الدول على إعادة تعريف معنى القوة.

البقاء لا يصنعه السلاح وحده


تصنعه شرعية تنبع من الناس، وسياسة خارجية متوازنة، واقتصاد منتج، وثقافة تحمي العقل من الانقسام. تلك معادلة شاقة، لكنها الطريق الوحيد كي لا تتحول خرائطنا إلى أوراق تفاوض على موائد الآخرين.

اليوم الثاني من الحرب يضعنا أمام مرآة صريحة. إما أن نظل أسرى ردود الفعل، أو نبدأ في صناعة فعلٍ جديد يحفظ كرامة أوطاننا ويصون حق شعوبنا في مستقبل آمن، الوقت لم ينفد بعد، لكن دروسه لا تتكرر كثيرًا.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى