مقالات وآراء

المعتصم الكيلاني يكتب: إيران بين شعار الأمة الواحدة ووقائع النفوذ..ماذا تحصد اليوم مما زرعته بالأمس؟

هل يكفي أن نرفع شعار “الأمة الواحدة” حتى تصبح المصالح واحدة؟ وهل يكفي أن نتشارك الخصومة مع طرف ما حتى نصبح تلقائيًا في خندق سياسي واحد؟ حين يُطلب من المجتمعات العربية أن تتعاطف مع ايران بوصفها رأس حربة في مواجهة إسرائيل ، أليس من حق هذه المجتمعات أن تراجع السجل كاملًا قبل أن تمنح موقفًا مجانيًا؟

إذا كانت وحدة المصير حقيقة راسخة، فكيف نفسّر أن أولى لحظات التحول الكبرى بعد عام 2001 شهدت تقاطعًا في المصالح بين طهران والولايات المتحدة الأمريكية في أفغانستان؟ ألم يكن إسقاط حكم طالبان نتيجة التقاء حسابات أمنية متبادلة؟ وإذا كان منطق الدول يسمح بمثل هذه البراغماتية، فلماذا يُراد من الآخرين أن يتعاملوا بعاطفة خالصة بينما تتحرك طهران بميزان المصالح البارد؟

وعندما سقطت بغداد عام 2003، هل خرجت إيران خاسرة فعلًا من المشهد العراقي، أم وجدت نفسها أمام فرصة استراتيجية نادرة لإزاحة خصم تاريخي وتوسيع نفوذها غربًا؟ أليس من المشروع التساؤل عمّا إذا كان تفكك العراق قد أضعف المنظومة العربية أكثر مما أضعف خصومها؟ وإذا كانت النتيجة الفعلية هي انتقال العراق من موقع التوازن إلى موقع الساحة المفتوحة، فهل يخدم ذلك مفهوم “الأمة الواحدة” أم يعمّق هشاشتها؟

وفي سوريا، حين تدخلت طهران عسكريًا وسياسيًا ومالياً واستراتيجياً لإنقاذ حليفها، هل كان السؤال المطروح هو كلفة الحرب على الدولة السورية وشعبها، أم الحفاظ على خط إمداد استراتيجي يصل إلى لبنان؟ وعندما تحولت مدن سورية إلى ساحات دمار واسع، هل كانت الأولوية منع انهيار محور النفوذ أم حماية مجتمع عربي من التمزق طويل الأمد؟

وفي لبنان، حيث يتداخل القرار الداخلي مع الحسابات الإقليمية، هل عزز النفوذ الإيراني قدرة الدولة على النهوض، أم ساهم في تكريس ازدواجية القرار السيادي؟ وهل كان انهيار النظام المالي اللبناني مجرد أزمة اقتصادية معزولة، أم نتيجة تراكمية لسنوات من التداخل بين السلاح والسياسة والاصطفاف الإقليمي؟

وفي اليمن، حين تحولت البلاد إلى ساحة صراع إقليمي مفتوح، هل كان الهدف تحرير قرار اليمن أم إدخاله في معادلة ردع أوسع؟ وعندما امتدت الهجمات إلى العمق الخليجي، هل كان ذلك دفاعًا عن قضية جامعة أم تصعيدًا يوسّع دائرة النار؟ وفي البحرين، حين تكررت الاتهامات بالتدخل، ألم يكن ذلك كافيًا لترسيخ شعور خليجي بأن المشروع الإيراني لا يُقرأ كحليف بل كمنافس ثقيل الحضور؟

ثم ماذا عن فلسطين؟ إذا كانت هي البوصلة، فهل تغيّر ميزان القوى لصالح الفلسطينيين بعد عقود من الخطاب المرتفع؟ وهل أسهم الدعم الإيراني في بناء جبهة عربية جامعة حول مشروع تحرير متكامل، أم أصبح الملف الفلسطيني جزءًا من منظومة ردع إقليمية تُستخدم في التفاوض غير المباشر وتبادل الرسائل؟ وهل انتقال مركز الثقل في المقاومة من حركات قومية ويسارية ذات امتداد دولي واسع إلى حركات ذات طابع أيديولوجي أكثر حدة قد وسّع التعاطف العالمي مع القضية أم ضيّق هامشها الدبلوماسي؟

وحين يُقال إن طهران امتلكت نفوذًا مباشرًا أو غير مباشر في بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء، أليس من حق المراقب أن يسأل: هل كان هذا التمدد عامل استقرار أم عنصر إعادة تشكيل قسرية للتوازنات؟ وهل أدّى ذلك إلى تقوية النظام العربي أم إلى تفكيك مراكزه التقليدية؟ وإذا كانت النتيجة الواقعية هي إضعاف عواصم عربية مركزية، فهل يصب ذلك في صالح مواجهة إقليمية موحّدة أم في صالح بيئة مجزأة يسهل اختراقها؟

ثم سؤال أكثر جوهرية: إذا كانت طهران تتصرف كدولة طبيعية تبحث عن تعظيم نفوذها — وهو سلوك لا يُستغرب في السياسة الدولية — فلماذا يُطلب من الآخرين أن يتجاهلوا آثار هذا التعظيم على أمنهم الوطني؟ ولماذا يُراد من الشعوب أن تنظر إلى كل صاروخ في إطار رمزي مجرد، من دون أن تحاسب السياق الأوسع الذي أفرز هذا التصعيد؟

هل كانت فلسطين غاية ثابتة لا تتغير، أم ورقة حاضرة في كل جولة تفاوض غير مباشرة؟ وهل كان الاستثمار الأكبر موجّهًا نحو بناء قوة عربية جامعة لتحرير الأرض، أم نحو تثبيت محور نفوذ عابر للحدود؟ وعندما نرى اليوم منطقة مثقلة بالصراعات الداخلية والانقسامات العميقة، ألا يحق لنا أن نتساءل: كم من هذا المشهد هو نتيجة مباشرة لسياسات المحاور المتقابلة؟

ألسنا أمام واقع يقول إن كل قوة إقليمية، بما فيها إيران، تتحرك وفق مصالحها الخاصة أولًا وأخيرًا؟ وإذا كان الأمر كذلك، أفلا يكون من المنطقي أن تعيد المجتمعات العربية تعريف مصالحها هي أيضًا بعيدًا عن العواطف والشعارات؟ وهل يمكن بناء موقف سياسي متوازن من دون مراجعة شاملة لحصاد العقود الماضية؟

إذا كان ما زُرع هو شبكة نفوذ ممتدة، واستقطاب حاد، وسباق ردع مفتوح، فهل ما نحصدُه اليوم سوى النتيجة الطبيعية لذلك؟ وهل يمكن لأي طرف أن يطالب بتضامن غير مشروط بينما تُقرأ سياساته في عواصم عربية عديدة بوصفها ضغطًا دائمًا على سيادتها؟

ربما لا يكون السؤال: مع من نصطف؟
بل: على أي أساس نصطف؟
وهل الاصطفاف العاطفي يعالج خلل التوازن، أم يضاعفه؟

تلك أسئلة لا تبحث عن خصومة بقدر ما تبحث عن وضوح. لأن وضوح المصالح هو وحده القادر على منع المنطقة من الدوران في الحلقة نفسها مرة أخرى

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى