
في لحظات التحولات الكبرى في التاريخ، يصبح الحياد أحيانًا موقفًا صعبًا، بل قد يبدو مستحيلاً. وعندما تندلع مواجهة كبرى بين قوى إقليمية ودولية مثل إيران من جهة والولايات المتحدة وحلفائها من جهة أخرى، يجد كثير من الناس أنفسهم أمام سؤال حاد: هل يمكن الوقوف على الحياد فعلًا؟
الحقيقة أن هذه الحرب – بمعناها السياسي والعسكري – تبدو بالنسبة لكثيرين حربًا بلا حياد. ليس لأن الجميع يؤيد طرفًا بعينه، بل لأن المشهد معقد إلى درجة تجعل الضمير الإنساني يرفض أشياء في كلا المعسكرين في الوقت نفسه.
من جهة، لا يمكن إنكار أن السياسات الإيرانية في عدد من الدول العربية خلّفت جراحًا عميقة. ما حدث في سوريا مثلًا، وما ارتبط به من تدخلات وصراعات ودماء، يمثل بالنسبة لكثيرين جريمة سياسية وأخلاقية لا يمكن تبريرها أو التغاضي عنها. كما أن استهداف دول الخليج أو تهديد أمنها رغم التحفظ على بعض سياستها أمر مرفوض تمامًا، لأن أمن هذه الدول هو جزء من أمن المنطقة واستقرارها.
لكن في الجهة الأخرى، هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها أيضًا: الوقوف في معسكر تقوده إسرائيل أو يُستخدم فيه التفوق الإسرائيلي كأداة لفرض الهيمنة في المنطقة أمر يثير رفضًا عميقًا لدى شعوب المنطقة. فالكثيرون يرون أن انتصار الكيان الصهيوني المحتل في أي صراع إقليمي كبير لا يعني فقط هزيمة طرف سياسي بعينه، بل قد يعني تكريس واقع جديد من الهيمنة والضغط السياسي والعسكري على المنطقة بأكملها.
بالنسبة لهم، المسألة ليست حبًا في إيران ولا دفاعًا عن سياساتها، بل رفضٌ لفكرة أن تتحول المنطقة إلى ساحة نفوذ مطلق لمشروع إسرائيلي صهيوني مدعوم بقوة الولايات المتحدة. إن الخوف الحقيقي هنا هو من مستقبل تصبح فيه قرارات المنطقة مرهونة بالكامل بإرادة القوة الإسرائيلية الصهيونية وسياساتها ومشروعها.
لذلك يشعر كثيرون بأنهم عالقون بين موقفين صعبين: رفض السياسات الإيرانية وتدخلاتها من جهة، ورفض الاصطفاف في معسكر يقوده الكيان المحتل من جهة أخرى.
إنه موقف أخلاقي معقد: رفض للعدوان أيًا كان مصدره، ورفض للهيمنة أيًا كان صاحبها.
ربما يكون الموقف الأكثر صدقًا في مثل هذه اللحظات هو التمسك بمبدأ واضح: رفض قصف الدول العربية والخليجية، ورفض تحويل المنطقة إلى ساحة حرب دائمة، ورفض في الوقت نفسه أن يصبح الانتصار الصهيوني الإسرائيلي مدخلًا لفرض إرادة سياسية والمشروع الصهيوني على شعوب المنطقة.
فالقضية في النهاية ليست اختيار طرف ضد طرف بقدر ما هي دفاع عن كرامة المنطقة واستقلال قرارها.
إن الشعوب التي عانت طويلًا من الحروب والتدخلات لا تريد أن تنتقل من هيمنة إلى هيمنة، ولا من صراع إلى صراع.
ولعل الدرس الأهم هو أن مستقبل المنطقة لا يجب أن يُصاغ في غرف الحرب ولا في صفقات القوى الكبرى، بل بإرادة شعوبها التي تتطلع إلى الأمن والاستقرار والكرامة.
في زمن الحروب الكبرى، قد يبدو الحياد مستحيلاً، لكن الموقف الأخلاقي يظل ممكنًا دائمًا: أن ترفض الظلم… أياً كان مصدره.







