مقالات وآراء

د. أيمن خالد يكتب : العراق وإيران في ميزان النظام الدولي؟

بقلم: د. أيمن خالد
إعلامي وباحث في الشؤون السياسية والقانون الدول

منذ نهاية الحرب الباردة لم يكن الشرق الأوسط مجرد مسرح تدخلات أميركية متفرقة، بل كان جزءًا من معادلة أوسع تتعلق ببنية النظام الدولي نفسه. السؤال ليس: هل أرادت الولايات المتحدة إخضاع العراق وإيران؟ بل: لماذا لا تستطيع واشنطن السماح بظهور قوة إقليمية مهيمنة في الخليج وعمقه الجغرافي؟

الفارق جوهري.

في النظرية الواقعية للعلاقات الدولية، الدولة العظمى لا تتحرك بدافع الأخلاق ولا بدافع الانتقام، بل بدافع منع اختلال ميزان القوى. الخليج ليس مجرد حقل نفطي؛ هو عقدة النظام التجاري العالمي، حيث يمر جزء معتبر من الطاقة التي تغذي أوروبا وشرق آسيا. أي قوة تهيمن على هذه العقدة تملك قدرة ابتزاز بنيوي للنظام الدولي.

من هنا يمكن قراءة مسار ما بعد 1991.

أولاً: منع الهيمنة الإقليمية

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، أصبحت واشنطن القوة المهيمنة عالميًا. لكن الهيمنة العالمية لا تكتمل دون ضمان ألا تنشأ قوة إقليمية قادرة على تحديها في مناطق حيوية. العراق في عهد صدام حسين كان مرشحًا للهيمنة في الخليج. إيران بعد 2003 تحولت إلى مرشح آخر عبر شبكة نفوذ ممتدة في العراق وسوريا ولبنان واليمن.

السياسة الأميركية – سواء اتفقنا معها أم لا – سعت إلى منع هذا التحول إلى واقع مستقر.
ليس الهدف بالضرورة إسقاط كل نظام، بل منع أي طرف من احتكار المجال الحيوي.
وهذا منطق توازن القوى الكلاسيكي.

ثانيًا: حماية النظام التجاري العالمي

الولايات المتحدة ليست فقط قوة عسكرية؛ هي ضامن للنظام البحري العالمي.
مضيق هرمز، باب المندب، قناة السويس… ليست أسماء جغرافية، بل مفاصل في شبكة التجارة العالمية.

أي اضطراب مستدام في هذه العقد يهدد الدولار، وأسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد، وأسعار التأمين البحري. لهذا السبب تتمركز الأساطيل الأميركية في الخليج والبحر الأحمر والمحيط الهندي.

القواعد العسكرية في المنطقة ليست فقط لحماية حلفاء؛ بل لضمان استمرار التدفق الحر للطاقة والتجارة.
هذه ليست رواية أيديولوجية، بل عقيدة بحرية أميركية ممتدة منذ الحرب العالمية الثانية.

الامتداد التاريخي: من بريطانيا إلى أميركا – استمرارية المنطق البحري

لفهم التموضع الأميركي في الخليج والعراق وإيران، من المفيد استدعاء تجربة الإمبراطورية البريطانية في القرن التاسع عشر. بريطانيا لم تكن تحتل العالم بدافع الرغبة في السيطرة المباشرة على كل إقليم، بل كانت تحكم “العقد” لا “المساحات”. سيطرت على المضائق، الموانئ، والمفاصل البحرية: جبل طارق، مالطا، قناة السويس، عدن، الخليج، والهند.

الفكرة الجوهرية كانت واضحة:
من يسيطر على طرق التجارة البحرية يسيطر على شريان الاقتصاد العالمي.

لم تكن لندن بحاجة إلى إدارة كل شبر في آسيا وأفريقيا، بل إلى ضمان ألا تظهر قوة قارية قادرة على تهديد ممراتها أو إغلاق طرقها. لذلك مارست إدارة التوازنات، فدعمت طرفًا هنا، وقيّدت طرفًا هناك، وتدخلت حين يختل الميزان.

الولايات المتحدة ورثت هذا المنطق البحري بعد الحرب العالمية الثانية، لكنها طوّرته ضمن إطار النظام الدولي الليبرالي. لم تعد المسألة استعمارًا مباشرًا، بل ضمان انسياب التجارة، حرية الملاحة، واستقرار أسواق الطاقة. الخليج في هذا السياق ليس هامشًا، بل مكافئًا حديثًا للهند في الحساب البريطاني.

كما لم تسمح بريطانيا بظهور قوة أوروبية تسيطر على طرقها إلى الهند، لا تستطيع واشنطن السماح بظهور قوة إقليمية تسيطر على عقدة الخليج والمضائق.

المنطق ذاته، لكن بأدوات مختلفة.

ثالثًا: إدارة التنافس مع الصين وروسيا

التحول الأهم في العقد الأخير هو صعود الصين كلاعب اقتصادي أول في الخليج.
بكين أكبر مستورد للنفط الخليجي، وتستثمر في الموانئ والبنية التحتية ضمن مبادرة الحزام والطريق.

إذا فقدت واشنطن قدرتها على التأثير في الخليج، فإنها تخسر ورقة ضغط استراتيجية في مواجهة الصين.
روسيا أيضًا تحاول تثبيت موطئ قدم عبر سوريا وشراكات الطاقة.

لذلك فالمشهد لم يعد أحادي القطبية بالكامل، بل تنافسيًا معقدًا.

رابعًا: دور الفاعلين المحليين

لا يمكن اختزال المشهد في إرادة أميركية مطلقة.
إيران نفسها اختارت التوسع الإقليمي بعد 2003، وراكمت أدوات نفوذ عبر فواعل غير دولية.
العراق شهد تفككًا مؤسسيًا أضعف قدرته على التحول إلى قوة مستقلة.
دول الخليج ربطت أمنها بمظلة خارجية لاعتبارات بنيوية تتعلق بحجمها الجغرافي والديمغرافي.

كل طرف ساهم في صناعة البيئة الحالية.
وهذا يخرجنا من نظرية “الضحية المطلقة” إلى منطق التفاعل المركب.

البعد القانوني: شرعية التمركز العسكري بين السيادة والاتفاقيات الأمنية

التموضع العسكري الأميركي في الخليج والعراق لا يقوم – في صورته الشكلية – على الاحتلال التقليدي، بل على اتفاقيات ثنائية تستند إلى مفهوم الدعوة السيادية من الدولة المضيفة. وفقًا لقواعد القانون الدولي، يحق للدولة ذات السيادة أن تبرم اتفاقيات دفاع مشترك أو تسمح بتمركز قوات أجنبية على أراضيها، ما دامت هذه الاتفاقيات قائمة على الرضا المتبادل وغير مفروضة بالإكراه.

غير أن الإشكال القانوني لا يقف عند الشكل، بل يتجاوز إلى السياق.

فالسؤال الذي يطرحه بعض فقهاء القانون الدولي هو: إلى أي مدى يبقى الرضا حرًا في بيئة اختلال ميزان القوة؟ وهل تؤدي الاتفاقيات الأمنية طويلة الأمد إلى تقليص الاستقلال الفعلي للدولة المضيفة، حتى وإن بقيت السيادة القانونية قائمة؟

من الناحية القانونية الصرفة، الوجود العسكري الأميركي في الخليج والعراق يستند إلى أطر تعاقدية معلنة.
لكن من الناحية السياسية، يبقى هذا التموضع جزءًا من شبكة أوسع من الردع والتوازنات التي تعكس واقع القوة أكثر مما تعكس تساوي الإرادات.

القانون الدولي يقر بشرعية الاتفاقيات الدفاعية، لكنه لا يعالج دائمًا اختلال البيئة الاستراتيجية التي تُبرم فيها تلك الاتفاقيات.
وبالتالي، فإن الجدل حول الشرعية ليس قانونيًا خالصًا، بل سياسي–استراتيجي بامتياز.

الخلاصة الاستراتيجية

المسألة ليست قصة إخضاع مباشر، ولا مجرد تدخل عسكري ظرفي.
إنها إدارة عقدة جيوسياسية تقع في قلب التنافس العالمي.

منذ نهاية الحرب الباردة، سعت الولايات المتحدة إلى ضمان ألا تتحول هذه العقدة – الممتدة من العراق إلى الخليج مرورًا بإيران – إلى منصة تهديد للنظام التجاري العالمي أو إلى نقطة ارتكاز لقوة منافسة.

قد تتغير الأنظمة.
قد تتبدل التحالفات.
لكن الجغرافيا لا تتغير.

ومن يقرأ تاريخ الإمبراطوريات البحرية يدرك أن التحكم بالمفاصل أهم من التحكم بالمساحات.

وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل نحن أمام إعادة تشكيل للنظام الإقليمي؟
أم أمام إعادة تثبيت لميزان قوة قديم بأدوات جديدة؟

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى