سجون السودان السرية تكشف مأساة المفقودين وتصاعد الانتهاكات الإنسانية

تتصاعد أزمة المفقودين داخل سجون سرية غير رسمية في السودان، وسط استمرار النزاع المسلح الذي انطلق في منتصف أبريل نيسان 2023، حيث يواجه آلاف المدنيين والعسكريين خطر الاختفاء القسري والاحتجاز التعسفي في مواقع تفتقر لأدنى المعايير القانونية والإنسانية، وتشير التقارير الميدانية إلى أن أعداد المعتقلين في تزايد مستمر خاصة في مناطق إقليم دارفور وأجزاء واسعة من كردفان.
وهو ما جعل سجون سرية وتعدد مراكز الاحتجاز عقبة رئيسة أمام جهود الكشف عن مصير هؤلاء الضحايا، إذ تؤكد التقارير أن غياب الرقابة القانونية وغياب الجهات القضائية عن متابعة أوضاع المحتجزين فتح الباب أمام انتهاكات واسعة، الأمر الذي يزيد من تعقيد الأزمة الإنسانية ويجعل آلاف العائلات السودانية تعيش حالة قلق دائم وترقب مرهق بحثا عن أي معلومات حول مصير أبنائها المفقودين.
تؤكد البيانات الصادرة عن الهيئات المدنية أن القوات تحتجز نحو 9 آلاف مواطن داخل سجن شالا في محيط مدينة الفاشر، حيث سجلت الإحصاءات وفاة 300 شخص نتيجة غياب الرعاية الطبية والإهمال المتعمد، وتنتشر سجون سرية أخرى في ولايتي جنوب ووسط دارفور استقبلت معتقلين تم ترحيلهم من الخرطوم والجزيرة، في ظل ظروف احتجاز قاسية وغير إنسانية.
وتعتمد هذه المراكز على استراتيجية التعتيم الكامل ومنع تداول المعلومات حول أماكن وجود المحتجزين أو حالتهم الصحية، مما يضع عائلات المفقودين في مواجهة معاناة نفسية واقتصادية قاسية، إذ تعيش الأسر بين الخوف والانتظار الطويل، بينما تتزايد الشكوك حول مصير المحتجزين في ظل غياب أي قنوات رسمية تسمح بالتواصل أو المتابعة القانونية.
تستخدم أطراف الصراع سجون سرية لممارسة ضغوط ميدانية وسياسية عبر احتجاز المواطنين دون توجيه تهم رسمية أو السماح بزيارات عائلية، وتفيد المعلومات الموثقة بأن قوات الدعم السريع خصصت سجن دقريس وسجن كابو في مدينة نيالا كأكبر مراكز للاعتقال في الإقليم، ويخضع المعتقلون هناك لعمليات تحقيق قاسية تشمل التعذيب البدني لانتزاع اعترافات قسرية.
بينما يتم التعامل مع المحتجزين على أسس تصنيفية معينة تمنع عنهم سبل الحماية التي توفرها القوانين الدولية المنظمة لحالات النزاع المسلح، الأمر الذي يزيد من خطورة الوضع الإنساني داخل تلك السجون، ويجعل مصير آلاف المعتقلين مجهولا في ظل غياب الشفافية واستمرار العمليات العسكرية التي تعيق الوصول إلى معلومات موثقة.
تسبب وجود سجون سرية في نشوء ظاهرة الابتزاز المالي حيث تطلب جهات مجهولة فدية مالية من ذوي المعتقلين مقابل وعود بالإفراج عنهم، وتؤكد الوقائع أن العديد من الأسر تعرضت لعمليات نصب بعد دفع مبالغ طائلة دون الوصول إلى أبنائهم، كما تم رصد حالات لاحتجاز نساء ومصادرة هواتفهن لاستخدامها في عمليات تضليل متعمدة.
مما يعقد مهمة الناشطين والحقوقيين في تتبع خيوط الاختفاء القسري، ويحول دون تقديم بلاغات دقيقة للمحاكم الدولية أو المنظمات الحقوقية المعنية بحماية المدنيين، حيث تتداخل المعلومات المضللة مع محاولات البحث الجادة، الأمر الذي يجعل توثيق الانتهاكات عملية شديدة التعقيد في ظل استمرار الصراع وتعدد الجهات المتورطة.
تواصل المبادرات الحقوقية الضغط للكشف عن مصير القابعين داخل سجون سرية من خلال حملات رقمية واسعة تهدف إلى تسليط الضوء على الانتهاكات الجسيمة، ويوضح الناشطون أن مراكز الاحتجاز تعاني من اكتظاظ شديد وانعدام للتهوية والرعاية الصحية مما يهدد حياة أصحاب الأمراض المزمنة ويزيد من احتمالات وقوع وفيات جديدة.
وبحسب المحامي ياسر زين العابدين فإن ما يحدث في مدينة الفاشر يمثل خرقا صريحا للقانون الدولي الإنساني، خاصة مع استمرار سياسة الإفلات من العقاب وعدم الإقرار الرسمي بمواقع احتجاز آلاف المفقودين السودانيين، وهو ما يدفع المنظمات الحقوقية إلى المطالبة بتحقيقات دولية عاجلة لكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن تلك الانتهاكات.






