
من يظن أن ما يجري اليوم مجرد مواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، فإنه يكتفي بقراءة العناوين السطحية، دون أن يدرك ما يتحرك في العمق.
فالمشهد الحقيقي يتجاوز بكثير حدود حرب تقليدية بين دول؛ نحن أمام لحظة تاريخية قد تعيد تشكيل النظام العالمي بأكمله.
فالدب الروسي بدأ يزحف بثقله مجددًا إلى ساحة التوازنات الدولية، مستعيدًا دورًا يحاول الغرب منذ سنوات تقليصه.
وفي المقابل، يمدّ التنين الصيني جناحيه بهدوء ولكن بثبات، من الفضاء إلى الاقتصاد، ومن التكنولوجيا المتقدمة إلى شبكات التجارة العالمية، ساعيًا إلى تثبيت موقعه كقوة مركزية في النظام الدولي الجديد. وبين هاتين القوتين الصاعدتين، تحاول القوى التقليدية الدفاع عن نفوذها التاريخي في منطقة تحولت اليوم إلى القلب الجيوسياسي للصراع العالمي.
ما يجري إذن ليس مجرد تبادل للضربات الصاروخية، بل هو صراع متعدد الطبقات، تتداخل فيه أدوات القوة الصلبة والناعمة في آن واحد.
فهناك حرب عسكرية تُرسم حدودها بالنار، حيث تتحول الجغرافيا إلى خطوط اشتباك مفتوحة.
وهناك حرب اقتصادية تُخاض بالعملات وأسواق الطاقة والممرات التجارية التي تحدد مستقبل الاقتصاد العالمي.
كما تدور حرب تكنولوجية صامتة، تقودها الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي وأنظمة السيطرة الرقمية، وهي حرب قد تكون أكثر حسماً من المدافع والصواريخ.
وفوق ذلك كله، تشتعل حرب طائفية قذرة يحاول البعض تأجيجها، ليس لتحقيق نصر عسكري مباشر، بل لتفتيت المجتمعات من الداخل وتحويلها إلى ساحات صراع دائم.
في مثل هذه اللحظات التاريخية، لا تسقط القذائف وحدها، بل تسقط معها أحيانًا أنظمة ودول، فيما تولد كيانات جديدة من رحم الفوضى.
فالتاريخ يخبرنا أن النظام العالمي لا يبقى ثابتًا إلى الأبد؛ بل يعاد تشكيله عادة كل قرن أو قرنين، عندما تتغير موازين القوة الكبرى.
وما نشهده اليوم قد يكون إحدى تلك اللحظات المفصلية التي تسبق ولادة توازن دولي جديد.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: من سيطلق الصاروخ التالي؟
بل أصبح سؤالاً أكثر عمقًا: من سيتمكن من بناء الدولة القادرة على البقاء متماسكة وقوية عندما ينتهي هذا الزلزال السياسي؟
وفي هذا السياق، تبدو بعض التحركات الإقليمية وكأنها تسعى إلى زجّ منطقة الخليج في مستنقع مواجهة مفتوحة مع إيران.
فإشعال هذه الجبهة لا يهدد استقرار المنطقة فحسب، بل قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الصراعات الكبرى، حيث تتقاطع الطموحات الجيوسياسية مع المطامع الاستراتيجية للقوى الدولية.
لهذا، فإن ما نراه اليوم قد لا يكون سوى بداية فصل جديد في صراع طويل على شكل العالم القادم.
بقلم : بكير أتاجان – اسطنبول







