
تُعد ثورة 1919 واحدة من أبرز الأحداث في التاريخ المصري الحديث، إذ مثّلت لحظة فارقة في تشكيل الوعي الوطني المصري، ونجحت في استدعاء مختلف فئات المجتمع إلى المجال العام للمشاركة في النضال ضد الاحتلال البريطاني. وقد اعتبرها كثير من المؤرخين حدثًا قوميًا ضخمًا أسهم في بلورة الهوية الوطنية المصرية وترسيخ فكرة الدولة الحديثة. لكن على الرغم من هذا الإجماع الوطني حول أهميتها، فإن تيارات الإسلام السياسي “الإسلاميين” بكافة اتجاهاتهم المختلفة اتخذت موقفًا نقديًا منها، بل اعتبر بعضها أنها تمثل بداية ما وصفوه بـ “الحقبة العلمانية” في مصر. وقد انطلق هذا الموقف من قراءات فكرية وتاريخية خاصة لهذه الثورة، رأت فيها لحظة تحوّل من المرجعية الإسلامية إلى المرجعية القومية أو الليبرالية.
الإسلاميون وثورة 1919
تباينت مواقف الإسلاميين من ثورة 1919، إلا أنها التقت في خطوط عامة مشتركة، أبرزها اعتبار الثورة نقطة تحول نحو بروز النخبة السياسية ذات التوجهات الليبرالية، وتراجع الدور الديني في قيادة المجتمع. كما رأى بعضهم أن الشعارات التي رفعت خلال الثورة، مثل “الدين لله والوطن للجميع” و”يحيا الهلال مع الصليب”، تعكس اتجاهًا نحو ترسيخ مفهوم الدولة المدنية على حساب المرجعية الدينية. ومن أجل فهم هذه الرؤية بشكل أوضح، يمكن رصد مواقف ثلاثة تيارات رئيسية داخل الإسلام السياسي: جماعة الإخوان المسلمين، والتيار السلفي، والتيار الجهادي.
الإخوان المسلمون ورؤية الثورة
تُعد جماعة الإخوان المسلمين من أبرز جماعات الإسلام السياسي في مصر، وقد تأسست عام 1928، أي بعد أقل من عقد من اندلاع الثورة. وقد نظرت بعض أدبيات الجماعة إلى المجتمع المصري في تلك الفترة باعتباره قد شهد مظاهر من الانحلال الأخلاقي والتغريب، وربطت بين هذه التحولات وبين المناخ السياسي والاجتماعي الذي أعقب الثورة.
واعتبرت الجماعة في أدبياتها أن ظهور طلائع مظاهرة النساء المشهورة سنة 1919م التي طافت شوارع القاهرة هاتفةً بالحرية، هي بداية لتجرؤ النساء على الحياة العامة، وقد كان عدد المتظاهرات فيها يربو على الثلاثمائة، وعلى رأسهن صفية زغلول حرم سعد زغلول باشا، وهدى شعراوي حرم علي باشا شعراوي.
واعتبرت الجماعة أن المرأة منذ ذلك التاريخ قد انحرفت وتجرأت على المشاركة في القضايا الوطنية، ومنها في مختلف الميادين الاجتماعية، وبعدها شاركت في لجنة مركزية للسيدات الوفديات، واشتركت في حركة المقاطعة الاقتصادية سنة 1922م، وتزعمت صفية زغلول حرم زعيم الثورة الأول وكريمة مصطفى فهمي باشا هذه الحركة الأولى، التي طفرت بالمرأة إلى وضع لم يحلم قاسم أمين أن تبلغه في مثل هذه المدة الوجيزة. ثم استأنفت المرأة الطريق الذي وضعت قدمها على أوله باشتراكها في ثورة 1919م، فأخذت تؤسس الجماعات وتقيم الحفلات، وتعقد الندوات والمحاضرات، وتزعمت هذه الحركة النسوية هدى شعراوي، حرم علي باشا شعراوي، الذي كان ثاني الثلاثة الذين توجهوا إلى دار المندوب السامي البريطاني في 13 نوفمبر 1918م يطالبون بالاستقلال.
وتجرأت هذه المتزعمة على ما لم تتجرأ عليه امرأة مسلمة من قبل، فسافرت إلى باريس وأمريكا لدراسة شؤون المرأة، وأخذت تلقي التصريحات والأحاديث لمندوبي الصحف.
واعتبرت الجماعة، كما أشار جمعة أمين في كتابه “أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين”، أن الصحف الليبرالية لعبت دورًا حاسمًا في هذه المعركة، بما كانت تنشره من صور للجمعيات النسائية وللأزياء، وما كانت ترويه من أخبار النشاط السنوي الذي قل أن تخلو منه صحيفة. وقد ساعدت هذه الصحف على الدعوة إلى السفور حيث استخدمت النساء العاريات في الإعلانات بصورة ملفتة للنظر، فما من إعلان عن أي شيء إلا وفيه امرأة سافرة – وفي بعض الأحيان عارية – تعلن عنه، من ذلك إعلان “كولونيا” وآخر عن صابون “بالموليف” وثالث عن نوع من “الخمر” ورابع عن نوع من “السجائر”، وخامس عن “عطر”… الخ، بينما كانت تظهر المرأة المسيحية في الإعلانات وهي مغطاة الرأس يتدلى غطاء رأسها خلفها، وفي جيبها الصليب.
ولذلك لم يقف دور المرأة عند حد استخدامها في الإعلانات كدعوة للسفور ولنبذ القيم والمبادئ الإسلامية، واعتبرت الجماعة أن من أسباب هذه الحالة وشيوعها في المجتمع ثورة تحرير المرأة التي قادها سعد زغلول ورفاقه في عام 1919م. وهكذا اختزلت الجماعة ثورة 1919 في القضية النسائية ولم تنظر إلى قيم تحرير المجتمع من الانغلاق وتعليم النساء، واعتبرت أن القضية خروج عن ثياب الحشمة، وأن واقع المرأة قد انحط إلى حد تنحت معه الفضيلة وانهارت معه القيم والأخلاق النبيلة، لذلك عم الفساد وسادته الفوضى والضياع، وليس كل هذا من الدين ولا المروءة.
وطالبت الجماعة، على حد قولها، المسلمين في بيانات كثيرة: “أيها المسلم الغيور: لا تطلق العنان لزوجك فتجمح بك طويلاً، على أنك إن أرخيت حبلها فترًا جذبتك مترًا، وإن كبحتها وشددت يدك عليها ملكتها. فعليك أن تأمر زوجك وبناتك بالاعتصام بالدين وتجبرهن على البعد عن التبرج والخلاعة، وبذلك تبني أسرتك بناءً دينيًا صالحًا، وإلا فسيدركنا الوقت الذي نرى فيه الزوجة حليلة وخليلة، وهنا تنصب علينا اللعنات، وننحط إلى أسفل الدرجات” (جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية – السنة الثالثة – العدد 3 – 27 محرم 1354هـ / 3 أبريل 1935م). أنظر أيضًا جمعة أمين: “أوراق في تاريخ جماعة الإخوان”، ص 425.
وفي كتابات بعض منظري التيار القطبي مثل محمد قطب، وُجهت انتقادات حادة للزعيم الوطني سعد زغلول، إذ اعتبره شقيق سيد قطب في كتابه “واقعنا المعاصر” أحد أبرز رموز التحول نحو التغريب في المجتمع المصري. وذهب في تحليله إلى أن بروز الزعامة الوطنية في تلك المرحلة أدى إلى تراجع دور المرجعية الدينية في الحياة العامة، الأمر الذي مهّد الطريق لانتشار الأفكار العلمانية والليبرالية. كما ركزت بعض كتابات الإسلاميين على مسألة مشاركة المرأة في الحياة العامة، معتبرة أن خروج النساء في مظاهرات عام 1919 كان بداية لتحولات اجتماعية كبيرة، أبرزها توسع مشاركة المرأة في المجال السياسي والاجتماعي.
التيار السلفي ونقد الثورة
تبنّى بعض رموز التيار السلفي موقفًا أكثر تشددًا من الإخوان والتيارات القطبية في نقد ثورة 1919، خاصة فيما يتعلق بدورها في بروز الحركة النسوية في مصر. فقد اعتبر عدد من الدعاة السلفيين أن مشاركة النساء في المظاهرات وما تلاها من نشاط نسوي كان بداية لانتشار السفور وتراجع التقاليد الاجتماعية المحافظة.
وفي كتابه “عودة الحجاب”، يرى الشيخ محمد إسماعيل المقدم، أحد أهم قيادات الدعوة السلفية في الإسكندرية، أن التحولات الاجتماعية التي أعقبت الثورة، وخاصة في ما يتعلق بقضية المرأة، كانت امتدادًا لأفكار الإصلاح الاجتماعي التي دعا إليها بعض مفكري النهضة مثل قاسم أمين. ويرى أن الزعيم سعد زغلول لعب دورًا مهمًا في تمكين هذه الأفكار من الانتشار في المجتمع.
كما ذهب بعض دعاة التيار السلفي مثل سيد عفاني، الذي تتلمذ على يد دعاة ومؤسسي التيار المعاصرين كأبي إسحاق الحويني وسعيد عبد العظيم وسيد الغباشي، في كتابه “أعلام وأقزام في ميزان الإسلام” إلى اعتبار أن النخبة السياسية التي قادت الحركة الوطنية تأثرت بالفكر الغربي، وأن هذا التأثير انعكس على شكل الدولة والمجتمع بعد الثورة.
التيار الجهادي وقراءة أكثر تشددًا
أما التيار الجهادي، فقد قدم قراءة أكثر حدة لثورة 1919، إذ اعتبرها جزءًا من مسار طويل أدى – من وجهة نظره – إلى ترسيخ العلمانية في المجتمعات الإسلامية وبداية خط الانحراف عن صحيح الدين ونبراس العقيدة. وقد ظهر هذا الموقف في بعض أدبيات تنظيمات الجهاد المصري، التي رأت أن النخب الوطنية التي قادت الحركة السياسية في مصر منذ القرن التاسع عشر كانت متأثرة بالغرب وسعت إلى إعادة تشكيل المجتمع وفق نماذج سياسية وفكرية مستوردة.
فنجد د. أسامة حميد، الشهير بـ (أسامة جغرافيا)، أحد قيادات تنظيم الجهاد أو مجموعات الجهاد المصرية، من مواليد الستينيات حاصل على الدكتوراه في الجغرافيا السياسية، من محافظة الشرقية، كان أحد رفقاء د. فتحي الشقاقي مؤسس تنظيم الجهاد الفلسطيني، في كتابه الذي كان يوزع بخط الآلة الكاتبة على عناصر تنظيم الجهاد في الثمانينيات بعنوان “موجز تاريخ مصر في الحقبة العلمانية”.
في هذه القراءة، يتم تصوير الثورة باعتبارها لحظة انتقال من مشروع إسلامي مفترض إلى مشروع قومي علماني، وهو ما يفسر الموقف العدائي الذي تبنته بعض الجماعات الجهادية تجاه رموز الحركة الوطنية فيما بعد.
نهج هاني السباعي، القيادي الجهادي مؤسس مركز المقريزي في لندن، نهجًا مختلفًا عن أسامة حميد، حيث اعتبر أن سعد زغلول كان امتدادًا طبيعيًا لمفكري عصر النهضة المصرية مثل محمد عبده، وأحمد لطفي السيد، وقاسم أمين، وأحمد أمين.
فخرج السباعي بمعيار مختلف عن ثورة 1919، وأرجع التأثير المباشر لظهور العلمانية قبل ثورة 1919 إلى رفاعة رافع الطهطاوي. ويعتقد السباعي أن سعد زغلول وقاسم أمين مجرد أداة استخدمها الاستعمار للعب بعقول المسلمين، وأثبت ذلك في دراسة مفصلة مشوهة عن الطهطاوي بعنوان “دور رفاعة الطهطاوي في تخريب الهوية المصرية”. فيقول: “لقد أثرت دعوة الطهطاوي بعد خمسين عامًا من وفاة الطهطاوي في المجتمع، فقد ألف قاسم أمين المتوفى 1908 كتاب (تحرير المرأة)… وظهرت حمى التقليد الأعمى للمرأة الغربية: فهذه صفية مصطفى فهمي (التي تنسب إلى زوجها سعد زغلول على الطريقة الغربية) تقوم بشبه مسرحية هزلية مستغلة ثورة الشعب ضد الاحتلال الإنجليزي فتقوم بتظاهرة من النسوة وتحت قيادتها، وتجمع النسوة أمام ثكنات الإنجليز في قصر النيل بالقاهرة (وهو ميدان الإسماعيلية)، وبعد هذه الواقعة غيروا اسمه إلى ميدان التحرير احتفالًا بتظاهرات هؤلاء النسوة، ثم يخلعن الحجاب، ويلقينه في الأرض، ويسكب عليه الكيروسين، ويشعلن فيه النار.. ويحيا تحرير المرأة!!”
ميدان التحرير ورمزية ثورة 19
اعتبرت تيارات السلفية الجهادية والقاعدة نجاح ثورة المصريين في 2011 بداية للتمكين وإسقاط ثورة 19 ورد الاعتبار للحجاب الذي أهانته ثورة 19. لقد تصورت السلفية الجهادية وعناصر تنظيم القاعدة أنهم انتصروا مع ثورة يناير وبدأ عصر الخلافة الإسلامية. ففي ميدان التحرير في 25 يناير 2011، جاء وقت رد الاعتبار للحجاب، فبعد خلع النسوة للحجاب في ميدان التحرير (ميدان الإسماعيلية سابقًا) بعد ثورة 19، انتشرت الرايات السود على جانب من الميدان بجانب مسجد وتمثال عمر مكرم بميدان التحرير. فقد كان يُوزع هناك بقيادة القيادي بالسلفية الجهادية محمد حجازي كتابين تعكسان موقف هؤلاء من ثورة 19: الأول بعنوان “عقيدتنا ودعوتنا”، والثاني “تحذير المسلمين من شعار يحيا الهلال مع الصليب”.
وفي الإصدار الأول “عقيدتنا ودعوتنا” تحت سلسلة الهيئة الشرعية لدعوة التوحيد (أنصار الله)، يُنبه الإصدار إلى ما يسمى بمذهب الليبرالية، أي الحرية المطلقة، أو حرية الانتساب لأي دين، أو حرية الحكم بأي نظام وشرع غير الإسلام، ويعتبره مذهب كفر مخرج من ملة الإسلام، وهو مذهب يتنافى مع العبودية لله سبحانه.
وفي إصدار آخر أيضًا بعنوان “تحذير المسلمين من شعار يحيا الهلال مع الصليب”، يقول فيه القيادي محمد حجازي الذي يتخذ في هذا الكتيب الصغير اسم مستعار حسن عمر: “إن العلمانيين دعاة فصل الدين عن الدولة، والمرتدين وأصحاب المذاهب المخالفة للإسلام قد تعمدوا نشر الشعار الكافر يحيا الهلال مع الصليب تحت شعار السماحة والتعامل بالحسنى مع أهل الكتاب، وقصدوا في الحقيقة هدم دين الإسلام وتميع ثوابته، ولذا جعلوا شعار ثورة 1919 في مصر تحت قيادة العلماني سعد زغلول. وكان من فساد هذا الأمر أن أحد شيوخ الأزهر المتساقطين واسمه مصطفى القاياتي حمل الصليب معه ودخل به إلى الجامع الأزهر ووضعه في قبلة الجامع الأزهر، ودعا الحاضرين إلى صلاة ركعتين لله والصليب معًا في آن واحد على زعمه. أخزاه الله. ثم إن العلمانيين يقرون على الطلب في الصف الأول الإعدادي في مصر تحت شعار الوحدة الوطنية هذا البيت من الشعر:
“غدا الصليبُ هلالًا في توحّدِنا = وجمّعَ القومَ إنجيلٌ وقرآنُ”
وهو بهذا يؤكد عقيدة الكفر التي تنادي بها العلمانية.
قراءة تاريخية مغايرة
على الرغم من هذه الانتقادات التي قدمتها تيارات الإسلاميين للثورة بعتبارها ثورة علمانية ضد الدين ، فإن كثيرًا من الدراسات التاريخية تشير إلى أن ثورة 1919 لم تكن حركة علمانية بالمعنى الذي يصوره هؤلاء. فقد شارك في الثورة علماء الأزهر وطلابه، كما انطلقت العديد من المظاهرات من ساحات المساجد، وكان للأزهر دور مهم في التعبئة الشعبية ضد الاحتلال، كما كان للكنيسة دور هام في المشاركة الوطنية الفعالة، واعتقل الأقباط ودفع كثير من العائلات المصرية العريقة الثمن وقد وثقت عائلات مصرية رائدة في العمل الوطني هذه التجارب الوطنية .
كما أن الزعيم سعد زغلول نفسه كان خريج الأزهر، وتتلمذ على يد عدد من كبار علمائه، من بينهم الشيخ محمد عبده. وقد ظلت علاقته بالمؤسسة الدينية قائمة، بل ألقى خطبًا في الأزهر بعد عودته من المنفى أشاد فيها بدور التعليم الأزهري في ترسيخ روح الاستقلال الفكري.
ومن هنا، فإن ثورة 1919 يمكن فهمها بوصفها لحظة تلاقت فيها النزعة الوطنية مع المشاعر الدينية، حيث اجتمعت مختلف فئات المجتمع – مسلمين وأقباط، رجالًا ونساءً، علماء وطلابًا – في مواجهة الاحتلال البريطاني.
تكشف مواقف الإسلاميين من ثورة 1919 عن اختلاف عميق في قراءة التاريخ المصري الحديث. فبينما يرى كثير من المؤرخين أن الثورة كانت خطوة أساسية في بناء الدولة الوطنية الحديثة، تنظر إليها بعض تيارات الإسلام السياسي باعتبارها بداية مرحلة من التحولات الفكرية والاجتماعية التي أضعفت المرجعية الدينية في المجال العام.
غير أن دراسة السياق التاريخي للثورة تشير إلى أنها كانت، في جوهرها، تعبيرًا عن وحدة المجتمع المصري في مواجهة الاحتلال، وعن تلاقي الدين والوطنية في لحظة تاريخية فارقة أسهمت في تشكيل ملامح مصر الحديثة.







