أخبار العالمملفات وتقارير

صراع الصلاحيات والمصير الدستوري يشعل المشهد السياسي في الدولة الصومالية الفيدرالية

يواجه النظام السياسي في مقديشو تحولات جذرية عقب توقيع الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود على الوثيقة الدستورية الجديدة للجمهورية الاتحادية الصومالية، حيث أعلن الرئيس رسميا انتهاء العمل بالدستور المؤقت الذي حكم البلاد منذ عام 2012 واصفا تلك المرحلة بالحقبة التي غابت شمسها، وجاء هذا التحرك في توقيت حساس يسبق انتهاء الولاية الرئاسية الحالية بأسابيع قليلة ليدشن مرحلة قانونية جديدة تنهي 12 عاما من النظم الانتقالية الموقتة وتضع البلاد أمام هيكلة سياسية مغايرة تماما لما سبق، وتتضمن التعديلات المقرة تحويل نظام الحكم من برلماني إلى رئاسي مع تقليص نفوذ رؤساء الأقاليم وتوسيع صلاحيات السلطة المركزية في العاصمة بشكل مباشر، مما أوجد حالة من التباين في المواقف الرسمية بين مؤيد يرى فيها ترسيخا لدعائم الدولة ومعارض يراها تقويضا للتوافقات الوطنية التاريخية.

تحولات هيكلية في نظام الحكم الفيدرالي

تتضمن الوثيقة الجديدة بنودا تقضي بانتخاب أعضاء البرلمان عبر الاقتراع العام المباشر بدلا من نظام التمثيل العشائري المتبع سابقا على أن يتولى النواب المنتخبون اختيار رئيس الجمهورية، كما شملت التعديلات تمديد فترة ولاية الرئاسة والبرلمان لتصبح خمس سنوات بدلا من أربع سنوات وهو ما أثار حفيظة قوى سياسية داخل الدولة الصومالية، وقد شهدت جلسة البرلمان المشتركة لمجلسي الشعب والشيوخ في 4 مارس تصويتا حاز على موافقة 223 نائبا دون تسجيل أصوات معارضة داخل القاعة وفق الأرقام الرسمية المعلنة، وأكد رئيس مجلس الشعب الشيخ آدم محمد نور دخول التعديلات حيز التنفيذ الفوري بينما اعتبر رئيس الوزراء حمزة عبدي بري أن الدولة انتقلت إلى أساس قانوني دائم ينهي الارتباك الدستوري الذي صاحب المرحلة الماضية ويوحد الرؤية القانونية والسياسية لمؤسسات الحكم الاتحادية.

أعلنت ولايتا هيرشبيلي والشمال الشرقي وإقليم العاصمة بنادر دعمها الكامل للخطوات الدستورية بينما التزمت ولاية جلمدج الصمت حيال هذه التطورات المتسارعة التي أعادت رسم الخريطة السياسية، وفي المقابل أبدت ولايتا بونتلاند وجوبالاند رفضا قاطعا للمسار الدستوري الجديد وانضم إليهما مجلس مستقبل الصومال الذي يضم رؤساء سابقين وشخصيات سياسية بارزة في المشهد العام، وقد شهدت أروقة السلطة استقالة ثلاثة وزراء احتجاجا على آلية إقرار التعديلات ومنهم وزير النفط إسماعيل بورالي ووزير العمل عينانشي يوسف حسين بالإضافة إلى نائب مستشار الأمن القومي، كما أعلنت عضوة مجلس الشيوخ سريدة حسن جيتي انسحابها من العملية الدستورية مشيرة إلى مخاوف تتعلق بشرعية البقاء في السلطة وتوقيت تطبيق التعديلات التي تمس صلب العملية الديمقراطية وتوزيع السلطات بين المركز والأطراف في الدولة الصومالية.

أزمة التمثيل والانقسام الإداري بين الولايات

تصاعدت التوترات الميدانية والسياسية قبيل جلسة التصويت حيث تم اعتراض طائرة كانت تقل أكثر من 30 نائبا من ولاية بونتلاند متجهة إلى مدينة جروي بدعوة من رئيس الولاية سعيد عبد الله دني، وأدى هذا الحادث إلى تبادل الاتهامات بين السلطات الفيدرالية وحكومة الولاية التي قامت بتعليق عمل شركة طيران دالو في مطاراتها ردا على منع النواب من الوصول لوجهتهم، ويؤكد النائب عبد الرحمن عبد الشكور أن غياب التوافق مع الولايات الفيدرالية الكبرى يضعف القدرة الفعلية على تنفيذ الدستور الجديد على أرض الواقع رغم امتلاك الحكومة للسلطة القانونية، ويبرز التحدي الأكبر في ظل غياب محكمة دستورية تفصل في النزاعات القانونية بين الولايات والمركز خاصة مع تمسك بونتلاند بدستور عام 2012 كوثيقة وحيدة شرعية لحكم البلاد في ظل غياب المصالحة الوطنية الشاملة.

دافع النائب محمد إبراهيم معليمو عن التعديلات مؤكدا أن الصومال لا يمكنه الانتظار لسنوات أخرى تحت رحمة مسودة مؤقتة تسببت في نزاعات متكررة بين مكاتب الرئاسة والحكومة والولايات، وأشار معليمو إلى أن البرلمان مارس حقه الديمقراطي وفق مبدأ الأغلبية وأن الباب يظل مفتوحا لإدخال تحسينات مستقبلية لأن النصوص الدستورية ليست جامدة بطبيعتها، وفي المقابل يرى مراقبون مثل أفياري علمي أن الحكومة المركزية تسعى من خلال هذه الخطوة إلى إحكام قبضتها على لجنة الانتخابات والمؤسسات السيادية قبل نهاية الولاية الحالية، بينما يشدد الرئيس السابق محمد عبد الله فرماجو على ضرورة الحفاظ على تماسك مؤسسات الدولة وتجنب المسارات الأحادية التي قد تضعف الموقف الدولي للصومال وتؤكد الادعاءات التي تنفي وجود حكومة فاعلة قادرة على إدارة الأزمات الدستورية المعقدة بسلام.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى