
بعض الرجال يكتبون التاريخ… وبعضهم يكتبه ثم يختفي اسمه من صفحاته
قبل أن تخرج القاهرة إلى الشوارع، كانت المدينة تبدو هادئة على غير عادتها. صباحٌ رمادي من شتاء مارس، عرباتٌ تمضي ببطء في شوارع القاهرة، وباعةٌ يفتحون دكاكينهم على ضوء يومٍ جديد لا يعرف أحد كيف سينتهي.
لكن شيئًا كان يتشكل في الخفاء. خبرٌ صغير بدأ يتسلل بين الأزقة: الإنجليز اعتقلوا سعد زغلول. في البداية ظنه الناس إشاعة، ثم سرعان ما تحول الهمس إلى يقين. خلال ساعات قليلة تغيّر وجه المدينة.
لم تكن تلك اللحظة مجرد خبر سياسي؛ كانت لحظة انكسار في قلب المصريين
كان سعد زغلول بالنسبة لهم رمزًا لحلم الاستقلال، وحين اختفى فجأة خلف أسوار النفي إلى مالطا بدا كأن الاحتلال أراد أن يخطف الأمل نفسه.
لكن ما لم يفهمه الاحتلال أن الأمل لا يُعتقل.
وفي صباح 9 مارس 1919 خرج طلاب مدرسة الحقوق أولًا، ثم انضم إليهم طلاب المهندسخانة، وسرعان ما تحولت القاهرة إلى موجة بشرية تتحرك في اتجاه واحد
كانت الهتافات ترتفع كأنها نداء قديم ظل حبيس الصدور طويلًا ثم وجد طريقه إلى الهواء.
لم تكن الثورة قرارًا… كانت اكتشافًا مفاجئًا لقوة الشعب.
في تلك اللحظة التي اشتعل فيها الشارع باسم سعد زغلول، كان هناك رجل آخر يعمل في صمت خلف الستار
رجل لم يكن اسمه يتردد في الهتافات لكنه كان أحد الأعصاب الحقيقية التي حرّكت الثورة: عبد الرحمن بك فهمي.
لم يكن خطيبًا مفوهًا ولا زعيمًا سياسيًا. كان رجل تنظيم، عقلًا دقيقًا يعمل في الظل، يقود شبكة معقدة من الاتصالات السرية التي ربطت بين الشارع المصري وبين القيادات الوطنية في الخارج.
تولّى قيادة الجهاز السري لثورة 1919
ومن خلال هذا الجهاز انتقلت الرسائل والتعليمات بين القاهرة والمنفيين في الخارج، وانتظمت الحركة الشعبية التي بدت للإنجليز وكأنها انفجار عفوي.
الحقيقة أن ذلك الانفجار كان له عقل يديره… وكان ذلك العقل هو عبد الرحمن بك فهمي.
كان يتلقى توجيهات الزعماء المنفيين، لكنه لم يكن مجرد ناقل للأوامر
كانت لديه سلطة التقدير، يقرأ الشارع المصري لحظة بلحظة، ويقرر ما يجب فعله في الوقت المناسب.
بذلك المعنى كان سعد زغلول قائدًا سياسيًا ورمزًا للثورة، بينما كان عبد الرحمن فهمي قائدها التنظيمي الفعلي في الداخل.
لم يكن هذا الدور مفاجئًا لمن يعرف تاريخ الرجل
فقد بدأ حياته ضابطًا في الجيش المصري، ثم عمل ياورًا لوزير الحربية، وكان معروفًا بمواقفه الوطنية الصلبة.
لم يكن ذلك يرضي سلطات الاحتلال البريطاني. فقررت إبعاده عن الجيش ونقله إلى الشرطة.
تنقل مأمورًا بين سمالوط وبني مزار وإمبابة وطنطا، لكنه ظل في كل موقع رجلًا يصعب إخضاعه لإرادة المفتشين الإنجليز
اصطدامه بالاحتلال كان مسألة وقت.
أُبعد عن الخدمة وأُحيل إلى الاستيداع، ثم انتقل إلى العمل الإداري فصار وكيلًا لمديرية القليوبية، ثم مديرًا لإقليم بني سويف، ثم مديرًا لمديرية الجيزة، قبل أن يصبح وكيلًا لعموم الأوقاف.
وعندما جاءت الثورة، كان مستعدًا لها أكثر مما كان التاريخ مستعدًا لتذكره
لكن ذاكرة الأمم لا تحتفظ بكل شيء.
بعد انتهاء الثورة وصعود الحركة الوطنية إلى السلطة، أصبح كثير من رجالها وزراء ورؤساء حكومات
أما الرجل الذي قاد جهازها السري، فقد عاد إلى الظل الذي خرج منه.
ولم يكن وحده من دفع ثمن هذا الظل.
في صعيد مصر كان يعيش رجل آخر من رجال الثورة: أسعد مشرفي ابن ديروط
شارك في العمل الثوري ضد الاحتلال، فحكم عليه الإنجليز بالإعدام، ثم خفف الحكم إلى السجن المؤبد.
خرج الرجل من السجن بعد سنوات طويلة، لكنه خرج إلى عالم لم يعد يعرفه.
لم يجد عملًا، ولم يجد مكانًا يليق بتاريخ نضاله، فانتهى به المطاف خفيرًا على كوبري المعاهدة قرب ديروط
يا للمفارقة القاسية: رجل كاد يُعدم لأنه قاوم الاحتلال… ينتهي حارسًا بسيطًا على جسر في أطراف مدينة منسية.
وهناك أيضًا عبد القادر شحاتة، أحد رجال الثورة الذين اعتقلهم الاحتلال
خرج من السجن لكنه خرج أيضًا بوصمة اجتماعية ثقيلة: «رد سجون».
عاش سنوات طويلة بلا عمل، حتى قيل إنه قضى نحو عشرين عامًا من البطالة القسرية.
وعندما أصبح أحمد ماهر باشا رئيسًا للوزراء وعرف بما وصل إليه حال الرجل، تدخل ليمنحه وظيفة في بنك التسليف الزراعي
كانت محاولة متأخرة لإنصاف رجل دفع ثمن الوطنية من عمره.
هذه الحكايات ليست مجرد تفاصيل إنسانية متناثرة في هوامش التاريخ
إنها تذكير بأن الثورات لا يصنعها الزعماء وحدهم، بل يصنعها آلاف الرجال الذين لا تُكتب أسماؤهم على اللافتات.
في كل ثورة واجهة مضيئة، وخلفها جيش من الوجوه الصامتة
بعضهم يصبح رمزًا، وبعضهم يعود إلى حياته العادية، وبعضهم يختفي من الكتب تمامًا.
لكن التاريخ الحقيقي لا يكتبه الضوء وحده… التاريخ يكتبه أيضًا الظل.
لذلك حين تمر ذكرى ثورة 1919 يجب أن نتذكر أن وراء الزعيم سعد زغلول رجالًا صنعوا الثورة بصمت
رجال مثل عبد الرحمن بك فهمي الذي أدار عقلها السري، وأسعد مشرفي الذي دفع ثمنها سجنًا ونسيانًا، وعبد القادر شحاتة الذي عاش عمره يحمل جرحها.
هؤلاء لم يكونوا نجوم المنصات… لكنهم كانوا أعصاب الثورة
وربما لهذا السبب تحديدًا يجب أن تعود أسماؤهم إلى الضوء.
لأن الأمم التي تنسى رجالها الحقيقيين تفقد جزءًا من ذاكرتها… والذاكرة حين تضعف يصبح من السهل تزوير التاريخ.
حقًا… ما أكثر من أهملهم التاريخ.








