الدكتور أيمن نور يكتب: وجوه لا تغيب – أحمد الطيب.. حارس الاعتدال والامام الـ 50 للازهر

في تاريخ مصر رجال لا يمرّون كأسماء في سجل الوظائف، بل كعلامات في ضمير الأمة. رجالٌ حين يذكرهم الناس لا يتذكرون مناصبهم فقط، بل يتذكرون معنىً أعمق: معنى الحكمة حين تضيق السياسة، ومعنى الاعتدال حين تتكاثر الأصوات المتطرفة.
من هؤلاء القلائل يقف الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، الذي أرى – وما زلت – أنه واحد من أبرز رجال الفكر والتنوير والوسطية في مصر في زماننا.
ليست هذه الكلمات مجاملة عابرة، بل موقف قديم ومعلن. فقد وقفتُ مرارًا – في مقالاتي ومواقفي العامة – إلى جوار الأزهر حين كان صوت الاعتدال يحتاج إلى من يحميه، وإلى جوار الإمام الأكبر حين كان يواجه عواصف السياسة وضجيج الأيديولوجيا بثبات العالم وهدوء الصوفي.
أنتمي فكريًا إلى مدرسة التنوير الأزهرية التي بدأت مع الشيخ حسن العطار، ورفاعه رافع الطهطاوي ،وبلغت ذروتها مع الإمام محمد عبده، ثم امتدت في القرن العشرين مع رجال كبار مثل الإمام عبد الحليم محمود.
مدرسةٌ تؤمن أن الدين نورٌ للعقل لا قيدٌ عليه، وأن الإيمان الحقيقي لا يخاف المعرفة، بل يفتح لها الأبواب. وفي تقديري أن أحمد الطيب هو أحد الامتدادات المعاصرة لهذه السلسلة الذهبية من علماء الأزهر.
علاقتي الشخصية بالإمام الأكبر لم تكن يومًا علاقة مجاملة سياسية، بل علاقة تقدير صادق لرجلٍ حافظ على مكانة الأزهر في زمنٍ كانت فيه المؤسسات تتعرض لرياح قاسية. رأيته عن قرب في لحظات كثيرة، وخرجت دائمًا بانطباع واحد: هذا الرجل يحمل في صوته هدوء الصعيد، وفي منطقه عمق الأزهر، وفي روحه شيئًا من صفاء المتصوفة الذين يرون العالم بعين القلب قبل عين السياسة.
في 19 مارس 2010 تولى الإمام الأكبر مشيخة الأزهر خلفًا للإمام الراحل محمد سيد طنطاوي. يومها كانت الأنظار تتجه إلى المؤسسة الدينية الأهم في العالم الإسلامي، وكانت التساؤلات كثيرة حول من يستطيع أن يقود هذا الصرح العريق في زمن تتقاطع فيه السياسة بالدين، والفكر بالصراع.
وقع الاختيار على الدكتور أحمد محمد أحمد الطيب، ابن القرنة في محافظة الأقصر، العالم الأزهري الذي درس العقيدة والفلسفة، وتدرج في مؤسسات الأزهر حتى أصبح مفتيًا للديار المصرية عام 2002، ثم رئيسًا لجامعة الأزهر، قبل أن يصبح الإمام الخمسين للأزهر الشريف.
لكن سيرة الرجل لا تختصرها المناصب.
ينتمي الإمام الطيب إلى المدرسة الأشعرية في العقيدة، وإلى المذهب المالكي في الفقه، كما يرتبط وجدانه بالروح الصوفية التي تشكل أحد أعمدة التدين المصري، إذ ينتمي إلى الطريقة الخلواتية التي يرأسها شقيقه الشيخ محمد الطيب في صعيد مصر.
ربما لهذا السبب تحديدًا يجمع الرجل بين الصرامة العلمية واللين الروحي؛ بين عقل الفقيه وقلب المتصوف.
على مدى ستة عشر عامًا في مشيخة الأزهر، وقف الإمام الأكبر في محطات كثيرة تحتاج إلى شجاعة العالم لا إلى صخب السياسي.
كان صوته واضحًا في الدفاع عن الوسطية الإسلامية، وعن فكرة أن الإسلام دين رحمة لا أداة صراع. وقف في وجه موجات التطرف التي حاولت احتكار الدين، كما وقف في وجه محاولات تسييس الدين حين حاولت السياسة أن تستخدمه وقودًا لصراعاتها.
كان حضوره في وثيقة الأزهر واحدًا من اللحظات المهمة في تاريخ الفكر السياسي المصري الحديث. تلك الوثيقة التي أكدت مبادئ الدولة الوطنية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية الاعتقاد، وجدت مني دعمًا صريحًا منذ لحظتها الأولى، لأنني رأيت فيها محاولة جادة لربط القيم الإسلامية بروح الدولة المدنية الحديثة.
يومها ذهبت أبعد من الدعم السياسي، واقترحت أن يتولى الإمام الأكبر شخصيًا رئاسة لجنة إعادة صياغة الدستور، إيمانًا مني بأن الأزهر – في لحظات التحول الكبرى – يمكن أن يكون ميزان الحكمة بين صخب السياسة واندفاع الشارع. كان اقتراحًا لم يُكتب له القبول، لكنه بقي بالنسبة لي تعبيرًا عن قناعة راسخة بأن هذا الرجل يمتلك من الحكمة ما يجعله قادرًا على جمع الفرقاء لا على تأجيج الخلاف.
خلال سنوات مشيخته، برزت مواقف عديدة للإمام الطيب في الشأن العربي والإسلامي. وقف بوضوح ضد العنف باسم الدين، ورفض توظيف الفتاوى لتبرير الصراعات السياسية. كما كان صوته حاضرًا في الدفاع عن قضايا الأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وفي الدعوة إلى الحوار بين الأديان والحضارات.
وفي زمنٍ امتلأ فيه العالم الإسلامي بأصوات الصدام، اختار الأزهر في عهده طريق الحوار، فكانت وثيقة الأخوة الإنسانية التي وقعها مع البابا فرنسيس في أبوظبي لحظة رمزية مهمة تؤكد أن الدين يمكن أن يكون جسرًا بين البشر لا جدارًا بينهم.
كثيرون يختلفون في السياسة، وهذا أمر طبيعي. لكن قليلين يختلفون حول قيمة الأزهر نفسه كمنارة علم واعتدال. وفي زمنٍ تتراجع فيه مكانة المؤسسات أحيانًا، نجح الإمام الأكبر في أن يحافظ على هيبة الأزهر بوصفه صوتًا للعلم والاعتدال في العالم الإسلامي.
لذلك أقولها بصدق: إنني ما زلت أرى في أحمد الطيب واحدًا من أهم رموز الاعتدال والتنوير في مصر المعاصرة. رجلٌ جمع بين عمق التراث ووعي العصر، وبين حكمة العالم وصفاء المتصوف.
ربما تختلف الآراء حول كثير من التفاصيل السياسية، لكن تبقى الحقيقة الأهم أن الأزهر في عهده ظل منارة للفكر الوسطي، وصوتًا للعقل في زمنٍ يكثر فيه الضجيج.
مدّ الله في عمر هذا الرجل، وحفظ به الأزهر الشريف، وجعل حكمته ميزانًا يقي الأمة من غلوّ المتطرفين وضيق المتعصبين.
لأن الأمم، مثل البشر، تحتاج أحيانًا إلى رجل هادئ…
يقف في قلب العاصفة…
ويذكّر الجميع بأن الحكمة لا تصرخ… لكنها تبقى.
بتاريخ 8 مارس 2012
التقى الشيخ خليل محمد عامر الأمين العام للحزب الإسلامي الإرتري للعدالة والتنمية بفضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر في مقره بالأزهر الشريف
يذكر أن هذه الزيارة لشيخ الأزهر نسق لها الدكتور ايمن نور رئيس حزب الغد (غد الثورة) وأكد الدكتور ايمن لشيخ الأزهر أهمية دعم الشعب الإرتري من أجل تجاوز محنته الحالية على جميع الاصعدة
https://gate.ahram.org.eg/News/181689.aspx
https://gate.ahram.org.eg/News/87666.aspx
https://gate.ahram.org.eg/News/105949.aspx







