
في لحظات الاضطراب الكبرى، تميل السياسة إلى اختزال العالم في ثنائيات حادة: معسكر هنا ومعسكر هناك، محور يقابله محور مضاد، ويُطلب من الشعوب أن تختار موقعها بينهما. لكن التاريخ يعلمنا أن أخطر ما يمكن أن يحدث للأمم ليس أن تواجه صراعًا بين القوى الكبرى، بل أن تُدفع إلى الاعتقاد بأن هذا الصراع هو قدرها الوحيد، وأن دورها لا يتجاوز اختيار أحد طرفيه.
اليوم تبدو منطقتنا العربية مرة أخرى أمام مشهد من هذا النوع. تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، استمرار العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني، والآن على إيران ولبنان، وتزايد الحديث عن إعادة رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط. وفي خضم هذا كله يتكرر السؤال التقليدي: مع أي معسكر يجب أن نقف؟.
لكن ربما يكون السؤال الصحيح مختلفًا تمامًا؛ فالأمم التي تفكر بعقل حضاري لا تبدأ بالسؤال: مع من نقف؟ بل تبدأ بسؤال أكثر عمقًا: ماذا نريد أن نكون؟.
الحرب كدليل على فشل السياسة
الحروب في جوهرها ليست انتصارًا للقوة، بل اعترافًا بفشل السياسة. وكلما تأملنا ما جرى في منطقتنا خلال العقود الأخيرة – من العراق إلى أفغانستان إلى ليبيا وسوريا ولبنان والسودان – أدركنا أن الحروب التي تُدار من الخارج لا تنتج نظامًا جديدًا بقدر ما تنتج فراغًا سياسيًا وأمنيًا قد يستمر سنوات طويلة. ومن هذا المنطلق فإن رفض أي حرب جديدة في المنطقة ليس موقفًا عاطفيًا، بل قراءة عقلانية للتجربة.
لكن رفض الحرب لا يعني بالضرورة قبول كل ما يجري في المنطقة من سياسات نفوذ أو مشاريع تمدد إقليمي. فالخلط بين الأمرين هو أحد أكثر أشكال الابتزاز السياسي شيوعًا في عالمنا المعاصر: إما أن تؤيد الحرب، أو أن تصمت عن الهيمنة. والحقيقة أن العقل السياسي المتوازن يمكنه أن يرفض الاثنين معًا.
إذا نظرنا بموضوعية إلى المشهد الإقليمي سنجد أن المنطقة العربية أصبحت ساحة تتقاطع فيها عدة مشروعات سياسية كبرى:
- المشروع الإسرائيلي: الذي نرفضه قطعاً، والذي نشأ منذ بدايته كمشروع استيطاني توسعي، من النيل إلى الفرات، وما زال حتى اليوم يعتمد على التفوق العسكري والتحالفات الدولية لفرض وقائع سياسية جديدة في المنطقة.
- المشروع الإيراني: الذي نرفضه أيضاً والذي تطور خلال العقود الأخيرة إلى مشروع نفوذ إقليمي واسع، يعتمد بدرجة كبيرة على بناء شبكات سياسية وعسكرية عابرة للحدود داخل عدد من الدول العربية. وهو ليس مشروعاً دينياً كما يظن البعض بين شيعة وسنّة بل هو مشروع سياسي وسلطوي يستغل العصبية الدينية لحشد المؤيدين.
المشكلة الحقيقية ليست في وجود هذه المشروعات؛ فالتاريخ مليء بصراعات النفوذ داخل وبين الدول. المشكلة الأعمق هي أن المنطقة العربية نفسها لم تنجح في بلورة مشروعها الذاتي القادر على حماية مصالحها عبر الزمن.
في وقت ما كانت فكرة القومية العربية ومحاولات التوحيد بين مصر وسوريا وبين ليبيا ومصر وسبقها تاريخياً مصر والسودان، أفكاراً تحمل بذوراً إيجابية ولكنها فشلت لأسباب متعددة؛ أهمها المصالح الفئوية والسعي للزعامات الفردية والتدخلات الخارجية والمشروع المضاد الذي كان ومازال قلب الفرقة وهو المشروع الصهيوني الذي يسعى للسيطرة على المنطقة.
لقد كنت أرى أن تواجد الدولة الفيدرالية العربية التي تضم كل الدول العربية في إطار مماثل للولايات المتحدة الأمريكية نموذجاً ممكناً يحفظ لكل دولة مساحة استقلالية في إطار نظام جامع متكامل.. للأسف ما حدث هو تفسخ الدول وتقسيمها بدلاً من تجميع الإطار في رؤية تتيح التنمية للجميع.
حين تغيب الدولة كفكرة
الدولة ليست مجرد حدود جغرافية أو جهاز إداري. إنها قبل كل شيء فكرة في الوعي الجمعي للمجتمع. حين تكون فكرة الدولة راسخة في وجدان الناس، تصبح مؤسساتها أكثر قدرة على الصمود أمام الأزمات. أما حين تضعف هذه الفكرة، فإن الدولة تصبح مجرد هيكل هش يمكن أن يتصدع بسهولة أمام الضغوط الداخلية والخارجية. ولهذا فإن انهيار الدول لا يبدأ عادة بسقوط المؤسسات، بل يبدأ بانهيار فكرة الدولة في الوعي العام.
حين يتحول الانتماء الطائفي أو القبلي أو الأيديولوجي إلى بديل عن الانتماء الوطني، تبدأ بنية الدول في التآكل من الداخل. وحين يحدث ذلك، تصبح البلاد أرضًا مفتوحة لكل أشكال التدخل الخارجي. الدولة الوطنية هي الإطار الذي يسمح بتوازن دقيق بين الحرية والنظام، وبين السلطة والمجتمع، وبين الهوية والتعدد. لكن هذا التوازن لا يتحقق بالشعارات، بل بمجموعة من الأسس مثل السيادة، والمواطنة، وحكم المؤسسات، ويكون هدف الدولة الأول هو بناء الإنسان برؤية شاملة.
ربما يكون الخطأ الأكبر في منطقتنا هو النظر إلى الصراعات الجارية باعتبارها صراعات قوة فقط. لكن الحقيقة أن جزءًا كبيرًا منها هو صراع وعي. فالمجتمع الذي يمتلك وعيًا سياسيًا ناضجًا يصبح أقل قابلية للاستقطاب، بينما المجتمع الذي يغيب عنه هذا الوعي يصبح سريع الانجذاب إلى الشعارات الكبرى. ولهذا فإن بناء الدولة القوية يبدأ أولًا من بناء الوعي المجتمعي.
في هذا السياق تبقى مصر أحد الأعمدة الأساسية لاستقرار المنطقة. ليس لأنها يجب أن تقود الآخرين بالضرورة، بل لأن تجربة الحفاظ على الدولة الوطنية في بيئة مضطربة تمثل درسًا مهمًا. فالدولة حين تسقط لا يمكن إعادة بنائها بسهولة.
اللحظة التي نعيشها الآن هي لحظة اختبار للعقل السياسي العربي. إما أن نستمر في الدوران داخل دوائر الاستقطاب بين مشروعات الآخرين، وإما أن نبدأ في التفكير الجاد في مشروعنا نحن. والسؤال الحقيقي ليس: مع من نقف؟ بل: كيف نبني دولاً قوية يكون فيها الإنسان العربي هو الغاية، لا مجرد وقود في صراعات الآخرين؟.







