“مربع الشر” في قصور الثقافة: أمين شرطة مفصول و3 وكلاء وزارة يديرون شبكة فساد كبري

لم تعد أزمة الهيئة العامة لقصور الثقافة مجرد خلافات إدارية عابرة أو أخطاء فردية يمكن احتواؤها بقرارات تنظيمية، بل تحولت في نظر كثيرين داخل أروقة الوزارة إلى ملف معقد تتشابك فيه المصالح والنفوذ.
وتظهر فيه ملامح شبكة إدارية وإعلامية وتنفيذية استطاعت عبر سنوات من التغلغل الهادئ أن تحيط بمفاصل القرار داخل بعض قطاعات العمل الثقافي.
هذه الشبكة – التي نسجت علاقاتها عبر مواقع إدارية حساسة ومشروعات مالية ضخمة – خلقت واقعا إداريا ملتبسا أصبحت فيه القرارات الكبرى، والتعاقدات، والمشروعات، محاطة بدائرة ضيقة من النفوذ يصعب اختراقها أو مراجعتها دون فتح ملفات ظلت لسنوات بعيدة عن الضوء.
بلاغ واستغاثة إلى وزيرة الثقافة الدكتورة جيهان زكي
في الوقت الذي تسعى فيه وزيرة الثقافة الدكتورة جيهان زكي جهودا واضحة لتطهير الوزارة وإحداث ثورة إدارية حقيقية تعيد للمؤسسات الثقافية دورها، وإعادة الانضباط الإداري إلى مؤسسات الوزارة وإطلاق مرحلة إصلاح حقيقية داخل قطاعاتها المختلفة.
تكشف الوقائع المتراكمة خلال العامين الأخيرين عن تشكيل شبكة مصالح متشابكة استطاعت التغلغل داخل الهيئة العامة لقصور الثقافة وتحويل بعض قطاعاتها إلى ما يشبه “منظومة مغلقة” تتبادل فيها الأدوار بين النفوذ الإداري والتغطية الإعلامية والتنفيذ المقاولات، بما أدى إلى تجريف الكوادر المهنية وتضخم مشروعات استعراضية تخفي خلفها شبهات إهدار المال العام.
هذا التقرير يضع أمام وزيرة الثقافة صورة متكاملة لما يمكن وصفه بـ تحالف المصالح الرباعي – شبكة الفساد بقصور الثقافة – تشكلت من أربعة أضلاع رئيسية – أمين شرطة مفصول وثلاثة وكلاء وزارة – لعب كل منهم دورا محددا في إدارة منظومة المصالح داخل الهيئة.
والذي تدور حولهم أغلب الوقائع المثارة داخل الهيئة، وتتكون من (ت. ع.) – الذراع الإعلامي وصاحب الواجهة الترويجية، و(ع. ب.) – الغطاء الإداري والمالي، و(م. ي.) – حلقة التحكم في المكتب الإداري ، و(ط. ب.) – أمين شرطة مفصول والذراع التنفيذي في المشروعات والتوريدات “المقاول”.
ومع مرور الوقت تحولت العلاقة بين تلك الأطراف إلى ما يشبه الشبكة العنقودية للمصالح التي تحمي نفسها بنفسها عبر النفوذ الإداري والإعلامي والمالي، حيث يرتكز هذا التحالف على شبكة أوسع من العلاقات والقرارات التي تشكل معا منظومة متداخلة المصالح.
المذيع الكومبارس بدرجة وكيل وزارة — المذيع الذي تحول إلى واجهة للمشروعات
تبدأ إحدى أهم حلقات هذه الشبكة من (ت. ع.)، وهو ممثل للأدوار الثانوية – كومبارس – تحول لاحقا إلى مذيع في قناة فضائية مغمورة، واستطاع عبر التملق الإعلامي لقيادات الهيئة العامة لقصور الثقافة والترويج لإنجازات الهيئة أن يصعد تدريجيا حتى وصل إلى درجة وكيل وزارة الثقافة، ويمثل (ت. ع.) أحد أبرز الوجوه الظاهرة في هذه المنظومة.
لم يقتصر دوره على الجانب الإعلامي فقط، لكن الدور الحقيقي لـ (ت. ع.) لم يتوقف عند حدود الإعلام، بل تحول إلى ما يشبه الواجهة التي شرعنت بعض التعاقدات المثيرة للجدل داخل مشروع “سينما الشعب”.
ووفق ما ورد في التقارير، حيث تشير الوقائع إلى أن المشروع الذي يفترض أن يكون منصة لإحياء دور السينما في الأقاليم تحول إلى مساحة لتوريدات معدات عرض منخفضة الجودة.
فقد جرى التنسيق بين (ت. ع.) و(ط. ب.) في عمليات توريد معدات عرض سينمائي صينية رديئة واستبدالها بماكينات أصلية كانت موجودة في دور العرض التابعة للهيئة، مثل دار عرض سينما ريفولي وقصر بورسعيد، حيث استبدلت بماكينات ديجيتال متهالكة بينما اختفت الماكينات الأصلية التي بيعت كخردة.
وفي الوقت الذي كانت هذه العمليات تجري داخل المواقع الثقافية، كان (ت. ع.) يستخدم برنامجه الإعلامي لتلميع هذه المشروعات وتقديمها كإنجازات، مما وفر غطاء إعلاميا أبعد الشبهات عن عمليات الصيانة المعيبة والتوريدات المثيرة للجدل.
عراب المالية والغطاء الإداري وشبكة التفويضات المالية الممتدة
يمثل (ع. ب.) نقطة الارتكاز الإدارية في هذه المنظومة، فقد تولى إدارة الهيئة العامة لقصور الثقافة لفترة سابقة قبل أن يستمر نفوذه لاحقا عبر موقعه كوكيل وزارة الثقافة، وهو ما أتاح له الحفاظ على شبكة العلاقات الإدارية التي تشكلت خلال فترة إدارته.
قاد (ع. ب.) خلال فترة إدارته عملية إسناد عدد من المشروعات الكبرى بالأمر المباشر لصالح المقاول (ط. ب.) بذريعة سرعة التنفيذ، وهو ما أدى – وفق ما رصدته التقارير – إلى إهدار ملايين الجنيهات من ميزانية الدولة.
ومن أبرز الوقائع التي وردت في التقارير، توريد معدات إطفاء حريق صينية رديئة لعدد 12 قصرا ثقافيا، وتزوير شهادات المنشأ لتبدو أوروبية، وتحقيق أرباح غير مشروعة تجاوزت 45 مليون جنيه
ورغم خروج (ع. ب.) من رئاسة الهيئة، تشير الوقائع إلى أن نفوذه الإداري استمر عبر تفويضات مالية وإدارية مكنته من الحفاظ على منظومة التعاقدات القائمة وضمان استمرار صرف مستخلصات مالية لصالح شركة المقاولات التابعة لـ (ط. ب.).
حيث تشير التقارير أيضا إلى أن (ع. ب.) لعب دورا محوريا في إسناد مشروعات بالأمر المباشر، وتمرير تعاقدات لصالح شركات مقاولات محددة وبالأخص شركة أمين الشرطة المفصول، وتوفير الغطاء الإداري لصرف مستخلصات مالية
كما تشير الوثائق إلى أن (ع. ب.) قام بتفويض (م. ي.) و (ت. ع.) لإدارة ملفات مالية حساسة، وهو ما مكن هذه المجموعة من صرف بدلات سفر ومصاريف انتقال مرتفعة تحت بند كبائن نوم بقطارات الصعيد وصلت إلى 3000 جنيه للرحلة الواحدة، في وقت تعاني فيه المواقع الثقافية من نقص شديد في الإمكانات الأساسية.
المزور الإيجابي في مطبخ القرار والسيطرة على مكتب الهيئة
يمثل (م. ي.) الحلقة الأكثر حساسية داخل هذه الشبكة، حيث يشغل منصب رئيس مكتب رئيس الهيئة، وتمثل حالة (م. ي.) واحدة من أكثر الوقائع إثارة للجدل داخل الهيئة، حيث تشير التقارير إلى أن (م. ي.) قام بتزوير بيانات بطاقة الرقم القومي الخاصة به لإثبات صفة وكيل وزارة الثقافة دون وجه حق.
كما كشفت نتائج تحليل مخدرات أجري لعدد من القيادات قبل أشهر عن إيجابية العينة الخاصة بـ (م. ي.)، وهو ما ترتب عليه إيقافه عن العمل لمدة ثلاثة أشهر.
لكن رغم قرار الإيقاف، عاد (م. ي.) في غضون ثلاثة أيام لممارسة مهام منصبه دون تجديد قرار انتدابه وبالمخالفة الصريحة للقانون، مستندا – وفق ما تشير إليه الوقائع – إلى الحماية التي توفرها الشبكة التي يقودها (ع. ب.)، وهو ما أثار تساؤلات واسعة داخل الهيئة حول أسباب استمراره في موقعه.
وينظر إلى (م. ي.) داخل الهيئة باعتباره الصندوق الأسود للعديد من العمليات الإدارية والمالية، حيث يتحكم في صادر ووارد المكتب، ويقوم – بحسب التقارير – بتصفية التقارير أو تأخيرها قبل وصولها إلى القيادات العليا.
كما رصد قيامه بتزوير محاضر اجتماعات ولجان فنية لإضفاء صبغة شرعية على عمليات صرف مالي من ميزانيات برامج مثل “أهل مصر” المخصصة للمناطق الحدودية.
وتشير المعلومات إلى أن (م. ي.) يتحكم في صادر ووارد المكتب الإداري ويطلع على التقارير قبل وصولها إلى القيادات العليا، وهو ما جعله يُعرف داخل الهيئة بأنه الصندوق الأسود لعدد كبير من الملفات المالية والإدارية.
أمين الشرطة المفصول – المقاول وأخطبوط التنفيذ – (ط. ب.)
يشكل المقاول (ط. ب.) أمين الشرطة المفصول والذراع التنفيذي لهذه الشبكة، وهو مقاول نفذ عددا كبيرا من مشروعات الصيانة والتطوير داخل قصور الثقافة، من بينها ما لا يقل عن 16 عملية صيانة وتطوير بأسعار وصفت بأنها مبالغ فيها.
فقد حصلت شركات مرتبطة به على عدد كبير من مشروعات الصيانة والتطوير داخل قصور الثقافة، من بينها ما لا يقل عن 16 مشروعاً خلال السنوات الأخيرة.
ومن أبرز القضايا المرتبطة باسمه فضيحة طفايات الحريق، وتوريد طفايات حريق صينية منتهية الصلاحية لعدد 12 قصرا ثقافيا مع تزوير شهادات المنشأ لتبدو أوروبية، وهو ما عرض حياة آلاف المواطنين للخطر مقابل أرباح غير مشروعة تجاوزت 45 مليون جنيه.
وكذلك من فضائحه مشروع سينما الشعب بالتنسيق مع (ت. ع.) في توريد أجهزة عرض رديئة واستبدال المعدات الأصلية بماكينات ديجيتال منخفضة الجودة.
ومن أكثر الفضائح إثارة المسرح العائم، فيعد المسرح العائم أحد أبرز مواقع الجدل، حيث تعرض المسرح العائم لتدهور كبير رغم خضوعه لأعمال تطوير بملايين الجنيهات.
وتشير المعلومات إلى أن أعمال التجديد التي نفذتها شركة المقاولات التابعة لـ (ط. ب.) تضمنت مخالفات فنية جسيمة في أعمال العزل والتجهيزات.
وتشير الوقائع إلى أن الإهمال اللاحق للصيانة قد يكون هدفه مبررا لقرار هدمه، وهو ما قد يطمس معالم المخالفات الفنية المرتبطة بأعمال التطوير.
تكتيك الشكاوى الكيدية – مارس 2026
في مارس 2026 ومع اقتراب إجراء تغييرات هيكلية داخل وزارة الثقافة، شهد مكتب وزيرة الثقافة الدكتورة جيهان زكي موجة من الرسائل والشكاوى التي وصلت عبر تطبيق الواتس آب.
حيث تشير الوقائع إلى أن هذه الرسائل كانت جزءا من حملة منظمة هدفت إلى تشويه بعض القيادات المهنية، وخلط الأوراق داخل وزارة الثقافة، وإرباك صانع القرار، وتعطيل فتح ملفات مالية قديمة.
وتشير المعلومات إلى أن هذه الحملة جرى تنسيقها بين (ع. ب.) و (ت. ع.) و (م. ي.) عبر مجموعة من التابعين، وترى مصادر داخل الهيئة أن هذه الحملة جاءت في توقيت حساس بالتزامن مع الحديث عن إعادة هيكلة بعض القطاعات.
النقل العقابي للمهندسين
تشير الوقائع أيضا إلى تعرض بعض المهندسين والموظفين الذين رفضوا التوقيع على محاضر استلام الأعمال الصيانة المعيبة إلى استخدام سلاح النقل الإداري مفاجئ إلى محافظات نائية، ويعتقد بعض العاملين أن هذه الإجراءات جاءت كوسيلة لإبعاد الأصوات التي حاولت الاعتراض على بعض التعاقدات.
حيث جرى نقل بعضهم إلى محافظات نائية بتوجيهات مباشرة من (ع. ب.) وبضغط إعلامي من (ت. ع.)، بينما تولى (م. ي.) تعديل محاضر اللجان الفنية لتبدو متوافقة مع إجراءات الصرف المالي.
تشير الوقائع التي وردت في هذا التقرير إلى وجود منظومة متشابكة متكاملة المصالح داخل بعض مفاصل وقطاعات الهيئة العامة لقصور الثقافة، منظومة تتوزع فيها الأدوار على النحو التالي (ع. ب.) يوفر النفوذ الإداري والغطاء المالي، و(ت. ع.) يوفر الغطاء الإعلامي، (م. ي.) يتحكم في مفاصل المكتب الإداري والوثائق، و(ط. ب.) يدير شبكة التنفيذ المقاولات للمشروعات
وهو ما أدى إلى ظهور عدد من الملفات المرتبطة بإهدار المال العام وتدهور بعض المنشآت الثقافية، وإن استمرار هذه المنظومة قد يؤدي إلى استنزاف ميزانيات الثقافة، وتدهور البنية التحتية للمواقع الثقافية، وضياع أصول ومقتنيات تاريخية، وتحويل الهيئة إلى منظومة مغلقة للمصالح.
ومن ثم يوجه موقع “أخبار الغد” نداء إلى وزيرة الثقافة الدكتورة جيهان زكي بفتح تحقيق شامل في هذه الوقائع ومراجعة ملفات التعاقدات والمشروعات التي أثيرت حولها هذه التساؤلات، حفاظاً على المال العام وضمانا لاستعادة الدور الحقيقي للهيئة العامة لقصور الثقافة في خدمة الثقافة المصرية، وإحالة الوقائع المثارة إلى الجهات الرقابية المختصة لضمان حماية المال العام والحفاظ على الدور الحضاري للمؤسسات الثقافية المصرية.
لم يعد ما يجري داخل بعض مفاصل الهيئة العامة لقصور الثقافة مجرد أخطاء إدارية عابرة أو تجاوزات فردية يمكن احتواؤها بقرارات روتينية، بل أصبح – وفق ما تكشفه الوقائع والوثائق – منظومة مصالح متشابكة تشكلت عبر سنوات من النفوذ والتواطؤ، ونجحت في تحويل بعض قطاعات العمل الثقافي إلى دائرة مغلقة تُدار فيها المشروعات والقرارات بعيداً عن الرقابة الحقيقية.
إن استمرار هذه الحالة لا يهدد فقط المال العام، بل يهدد الدور الحضاري للمؤسسات الثقافية التي يفترض أن تكون حاضنة للوعي والمعرفة، ومن ثم فإن كشف هذه الوقائع ووضعها أمام الرأي العام ليس غاية في ذاته، بل خطوة ضرورية لفتح الملفات ومراجعة التعاقدات ومحاسبة المسؤولين أياً كانت مواقعهم.
حتى تستعيد الهيئة العامة لقصور الثقافة رسالتها الحقيقية كمؤسسة لخدمة الثقافة المصرية، بعيداً عن شبكات النفوذ والمصالح التي حاولت تحويلها إلى ساحة لتصفية الحسابات وإدارة الصفقات.







