
في الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية ، وبعد أكثر من عام على سقوط نظام الاسد، يدخل السوريون مرحلة انتقال سياسي يفترض أن تؤسس لمستقبل مختلف. غير أن أحد أهم شروط نجاح هذه المرحلة ما يزال غائباً أو مؤجلاً: مسار العدالة الانتقالية. فالتباطؤ في إطلاق هذا المسار لا يعني مجرد تأخير إداري لملف حقوقي، بل يهدد جوهر العملية الانتقالية نفسها، لأن العدالة الانتقالية ليست ملفاً جانبياً، بل أحد الأعمدة التي يقوم عليها الانتقال السياسي والسلم الأهلي وبناء عقد اجتماعي جديد.
لقد أُنشئت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية لتكون الجهة المسؤولة عن قيادة هذا المسار، وكان يُفترض أن تشكل حجر الأساس في مشروع وطني لكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم وإنصاف الضحايا. لكن بعد مرور هذه الفترة، لم يتبلور حتى الآن تصور واضح للعدالة الانتقالية في سوريا، ولم تُطرح استراتيجية تحدد آليات التحقيق أو المحاسبة أو كشف مصير المفقودين. وفي بلد شهد أحد أكبر ملفات الاختفاء القسري في العصر الحديث، يبقى غياب خطة واضحة لكشف الحقيقة مؤشراً خطيراً على تعثر هذا المسار منذ بدايته.
في بداية المرحلة الانتقالية، كان كثير من الحقوقيين يطالبون بعدم التسرع في إطلاق مسار العدالة الانتقالية قبل تهيئة الأرضية القانونية والمؤسسية اللازمة لعمل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية. لكن مع مرور الوقت، بدا أن المشكلة لم تكن في التسرع بل في العكس تماماً. فالتباطؤ المستمر وغياب الرؤية جعلا هذا الجسم المؤسسي غير مواكب لسرعة التحولات التي تشهدها البلاد، بل إن استمرار هذا الجمود بدأ يحول الهيئة من أداة يفترض أن تقود العدالة إلى عبء يثقل مسار الانتقال السياسي بدل أن يدفعه إلى الأمام.
إن أخطر ما في هذا التباطؤ أنه يحدث في لحظة تاريخية حساسة، حيث تتشكل ملامح الدولة الجديدة ويُعاد رسم العلاقة بين المجتمع ومؤسسات الحكم. وفي مثل هذه اللحظات، لا يمكن ترك ملف العدالة معلقاً، لأن غياب الحقيقة والمحاسبة يترك فراغاً سياسياً واجتماعياً قد تملؤه مشاعر الانتقام أو انعدام الثقة بالمؤسسات الجديدة. ولذلك فإن أي انتقال سياسي لا يترافق مع مسار واضح للعدالة الانتقالية يبقى انتقالاً هشاً، قابلاً للارتداد أو الانقسام.
وفي ظل هذا الفراغ، بدأت تظهر خلال الفترة الأخيرة مؤشرات على تحرك بعض المؤسسات الأخرى داخل الدولة للتعامل مع بعض الملفات المرتبطة بالانتهاكات، وعلى رأسها وزارتي العدل والداخلية. ورغم أن هذه التحركات قد تعكس إدراكاً متزايداً لخطورة ترك الملف معطلاً، فإن تعدد المسارات المؤسسية دون إطار قانوني جامع يطرح إشكالية أخرى، إذ إن العدالة الانتقالية لا يمكن أن تُدار عبر مبادرات متفرقة أو جهود متوازية غير منسقة.
فالعدالة الانتقالية بطبيعتها عملية شاملة تحتاج إلى رؤية قانونية ومؤسسية واضحة، وإلى إطار قانوني موحد يحدد الصلاحيات ويضمن التنسيق بين المؤسسات المختلفة ويضع الضحايا في مركز العملية. أما ترك الملف موزعاً بين مؤسسات متعددة دون مشروع وطني جامع، فإنه يهدد بتحويل العدالة الانتقالية إلى سلسلة من الإجراءات الجزئية التي لا ترقى إلى مستوى مشروع إعادة بناء الدولة بعد الصراع.
إن التحدي الذي تواجهه سوريا اليوم لا يتمثل فقط في إدارة مرحلة ما بعد الحرب، بل في ضمان نجاح الانتقال السياسي نفسه. وهذا النجاح مرتبط مباشرة بقدرة الدولة الجديدة على معالجة إرث الانتهاكات بطريقة عادلة وشفافة. فالسلم الأهلي لا يقوم على النسيان، والعقد الاجتماعي الجديد لا يمكن أن يُبنى فوق ذاكرة مثقلة بالظلم غير المعالج.
ولهذا فإن استمرار التباطؤ في إطلاق مسار العدالة الانتقالية لا يهدد فقط حقوق الضحايا، بل يهدد أيضاً مستقبل المرحلة الانتقالية بأكملها. فكلما تأخر هذا المسار، ازداد خطر فقدان الثقة بالمؤسسات الجديدة، واتسعت الفجوة بين الدولة والمجتمع، وتراجعت فرص بناء سلام مستدام. وفي لحظة تاريخية كهذه، لا يمكن أن تبقى العدالة الانتقالية ملفاً مؤجلاً أو جسماً بيروقراطياً متردداً، بل يجب أن تتحول إلى مشروع وطني واضح يقود عملية الانتقال بدل أن يصبح عبئاً عليها







