
الشيخ عبد المتعال الصعيدي… حين أُعيدت قراءة النصوص الشائكة بعين الحرية
إذا كان محمد عبده قد أعاد فتح باب إعمال العقل، فإن عبد المتعال الصعيدي، دخل من هذا الباب إلى المنطقة الأكثر حساسية:
النصوص التي أُسيء استخدامها لتبرير الإكراه، وقمع الرأي، ومصادرة الحرية.
لم يكن مشروع الصعيدي وعظيًا، ولا خطابًا تصالحيًا رماديًا، بل مواجهة مباشرة مع أكثر الملفات توترًا في علاقة الإسلام بحرية الرأي والتعبير.
وطرح الصعيدي السؤال الذي لم يجرؤ كثيرون على طرحه؛ سؤالًا بسيطًا في ظاهره،
صادمًا في نتائجه:
هل القتال في الإسلام كان لإكراه الناس على الدين؟ أم لحماية الدعوة من العدوان؟
هذا السؤال، الذي تجنّبه الفقهٌ الإسلامي طويلا، أعاد الصعيدي طرحه بهدوء الباحث،
لا بحماسة الداعية.
قراءة جديدة لآيات القتال:
لم ينكر الصعيدي آيات القتال، بل رفض قراءتها خارج سياقها التاريخي والموضوعي.
أكّد أن أول إذن بالقتال كان ردًّا على الظلم، وحمايةً لحرية الاعتقاد، لا وسيلة لفرض الدين.
﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبعَضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠)
فالقتال – في جوهره –
كان دفاعًا عن حق الإنسان
في أن يعبد الله دون فتنة أو قهر.
﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ۖ فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [ البقرة: 193]
حماية جميع دور العبادة:
من أهم ما توقف عنده الصعيدي
تأكيد القرآن على حماية كل دور العبادة:
صوامع، وبيع، وصلوات، ومساجد.
بهذا المعنى، لم يكن الدفاع عن حرية الدين حكرًا على المسلمين، بل مبدأً عامًا يشمل الجميع.
وهو طرح يهدم جذريًا خطاب الصدام الديني، ويؤسس لفكرة التعايش بوصفها أصلًا لا استثناء.
لا قتال بلا عدوان:
شدّد الصعيدي على قاعدة حاسمة:
لا عدوان إلا على الظالمين.
فإذا توقّف الاعتداء، سقط مبرر القتال.
بهذا الفهم، اسقط الصعيدي فكرة “الحرب الدائمة”، أو ما أسماه بعض الفقهاء، واعتمدته الجماعات والحركات الإسلامية الراديكالية، “جهاد الطلب”، حيث استبعد الصعيدي فكرة الإكراه باسم الدين.
الحرية الدينية… أصل لا منحة:
في كتابه الحرية الدينية في الإسلام،
رفض الصعيدي فكرة أن الإيمان يفرض بالقوة.
الإيمان الصحيح – في تصوره – لا يولد إلا من اقتناع، ولا يستقيم إلا في مناخ حر.
ولهذا، كانت حرية الاعتقاد ليست فقط حقًا إنسانيًا، بل شرطًا دينيًا لصحة الإيمان.
لماذا كان الصعيدي مختلفًا؟
لأنه لم يكتفِ بالحديث عن الحرية في العموم، بل واجه النصوص التي استُخدمت
لتبرير نقيضها.
ولأنه فرّق بوضوح
بين الدين وبين تأويلات الفقهاء، بين الوحي
والسياسة.
كلفة الجرأة:
لم يكن هذا الطرح بلا ثمن.
فقد واجه الصعيدي هجومًا حادًا، واتهامات بالتفريط، ومحاولات للتهميش.
لكن أفكاره بقيت، لأنها لم تُبنَ على رد فعل،
بل على قراءة علمية هادئة تستند إلى النص ذاته.
مكانه في مسار التجديد:
يمثّل عبد المتعال الصعيدي حلقة وصل حاسمة بين الإصلاح العقلي، وإعادة بناء الفقه السياسي والديني، على أساس الحرية.
بهذا المعنى، لم يكن مجرد شارح،
بل مصحّح مسار.
في الحلقة القادمة (22):
ننتقل إلى صوت أزهري مؤثر،
واجه عصره من داخل المؤسسة لا من خارجها:
الإمام الأكبر: الشيخ محمود شلتوت
حين تصبح حرية الاجتهاد شرطًا لتجديد الشريعة.
يتبع..





