مسجد أحمد بن طولون بالقاهرة.. تحفة معمارية «لا تحترق ولا تغرق»

القاهرة – يقف مسجد أحمد بن طولون شامخًا في قلب العاصمة المصرية منذ أكثر من أحد عشر قرنًا، ليُعد أحد أهم الشواهد الحية على تطور العمارة الإسلامية في مصر، وأحد أبرز المعالم التاريخية التي صمدت أمام الزمن والكوارث، حتى وُصف بأنه مسجد بُني ليبقى «لا يحترق ولا يغرق».
أقدم جامع باقٍ على هيئته في مصر
في قلب القاهرة التاريخية، وتحديدًا في حي السيدة زينب، يقع المسجد على قمة جبل يشكر، وهو موقع مرتفع اختير بعناية ليحميه من فيضانات النيل. وقد بدأ بناء المسجد عام 263 هـ / 876 م واكتمل عام 265 هـ / 879 م.
أسس الجامع أحمد بن طولون، والي مصر ومؤسس الدولة الطولونية، ليكون جزءًا من مدينة القطائع التي جعلها عاصمة لدولته. ومع مرور الزمن اندثرت المدينة بالكامل تقريبًا، بينما بقي المسجد شاهدًا وحيدًا على تلك الحقبة التاريخية.
ويعد المسجد ثاني أقدم مسجد قائم في مصر بعد مسجد عمرو بن العاص، لكنه الأكبر مساحة، إذ تبلغ مساحته الإجمالية نحو 26 ألفًا و318 مترًا مربعًا.
سر البناء الذي لا يحترق ولا يغرق
يروي كبير الأثريين في مصر أن أحمد بن طولون وضع شرطًا استثنائيًا عند بناء المسجد، إذ طلب من المهندس الذي كلفه بالمشروع أن يشيد مسجدًا “إذا احترقت القاهرة لا يحترق، وإذا غرقت بفيضان النيل لا يغرق”.
ولتحقيق هذا الهدف، اختير موقع المسجد فوق مرتفع طبيعي، كما شُيّد بالكامل من الطوب الأحمر المقاوم للنيران، وهو ما ساعده على الصمود عبر القرون حتى يومنا هذا.
كما يُعد المسجد من المعالم المميزة في مصر إلى درجة أن صورته اختيرت لتُطبع على العملة المصرية فئة خمسة جنيهات.
تصميم معماري فريد
يتميز المسجد بتخطيط معماري تقليدي للمساجد الكبرى في العصر العباسي، حيث يتكون من صحن مربع مكشوف تتوسطه ميضأة للوضوء تعلوها قبة محمولة على أعمدة رخامية.
ويحيط بالصحن أربعة أروقة، أكبرها رواق القبلة الذي يضم خمسة صفوف من الأعمدة، بينما تتكون الجهات الثلاث الأخرى من رواقين لكل جهة.
كما يحيط بالمسجد سور خارجي من ثلاث جهات يفصل بينه وبين المباني المحيطة مساحة مكشوفة تعرف باسم الزيادة.
ومن أبرز ملامح المسجد المعمارية:
- المئذنة الملوية ذات السلم الخارجي، المستوحاة من مئذنة سامراء في العراق.
- الزخارف الجصية الهندسية والنباتية التي تعد من أقدم الزخارف الإسلامية في مصر.
- وجود 128 نافذة جصية مفرغة تحيط بجدران المسجد من الأعلى، ولكل نافذة تصميم مختلف.
- احتواء المسجد على ستة محاريب تعود إلى عصور تاريخية متعددة.
عمليات ترميم عبر العصور
مر مسجد أحمد بن طولون بعدة مراحل من الترميم والإصلاح عبر التاريخ، أبرزها تجديدات السلطان المملوكي حسام الدين لاجين عام 696 هـ / 1297 م، حيث أُنشئت الميضأة الحالية وجُددت أجزاء كبيرة من البناء.
كما شهد المسجد أعمال إصلاح في عصر السلطان الناصر محمد بن قلاوون، ثم في عهد السلطان الظاهر برقوق عام 792 هـ / 1390 م.
وفي العصر الحديث خضع المسجد لعملية ترميم كبيرة بين عامي 1890 و1918، ثم أعيد افتتاحه للصلاة في عهد الملك فؤاد الأول عام 1918 بعد إزالة الأبنية التي كانت تحيط به.
أما آخر عملية ترميم شاملة فكانت عام 2005 ضمن مشروع تطوير القاهرة التاريخية، حيث جرى ترميم الزخارف الجصية وإعادة تأهيل أجزاء كبيرة من المسجد.
صرح معماري صمد عبر الزمن
اليوم لا يزال مسجد أحمد بن طولون يحتفظ بنحو 70% من هيئته الأصلية، ما يجعله أحد أهم وأندر النماذج المعمارية الإسلامية الباقية في العالم.
وبينما اندثرت المدينة التي نشأ فيها، بقي المسجد شاهدًا حيًا على حقبة تاريخية كاملة، ومتحفًا مفتوحًا يروي تاريخ العمارة الإسلامية في مصر منذ أكثر من ألف عام.
ويُعد الجامع اليوم أقدم مسجد في مصر ما زال قائمًا على حاله الأصلي تقريبًا، كما يُعد أكبر مساجد القاهرة من حيث المساحة، ويتميّز بمئذنته الفريدة التي تلتف حولها درجات السلم من الخارج، في تصميم لا يوجد له مثيل آخر في مصر.





