شباك نورمقالات وآراء

الدكتور أيمن نور يكتب: وجوه لا تغيب حسام علي.. حين يختار الظلُّ أن يصنع الضوء

وجوه لا تغيب حسام علي
حين يختار الظلُّ أن يصنع الضوء
تمرّ في حياتنا وجوهٌ لا تطرق الأبواب صاخبة، ولا ترفع لافتاتٍ تُعلن حضورها، لكنها تبقى… لأنها اختارت أن تكون جوهرًا لا مظهرًا، وأن تبني لا أن تُصفّق، وأن تعمل في صمتٍ يليق بمن يعرف قيمة ما يفعل.
لقاءي الأول بالمهندس حسام علي لم يكن موعدًا مرتبًا، بل لحظةً عابرة صنعت قدرًا من المعرفة.
تعطّلت سيارتي في طريق العودة من بورسعيد، فوجدت نفسي في صحبة شابٍ هادئ، ملامحه لا تُعلن شيئًا، لكن حديثه يكشف كل شيء.
رحلة قصيرة إلى القاهرة كانت كافية لأكتشف كنزًا إنسانيًا وحزبيًا، شابًا يبتسم كما لو أن الابتسامة جزءٌ من تكوينه، ويصغي كما لو أن الإصغاء عقيدة.
بدا منذ اللحظة الأولى مختلفًا…
ذكاءٌ هادئ،
وطنيةٌ لا تحتاج إلى خطابة،
وطموحٌ لا يركض خلف الضوء بل يصنعه.
روحٌ ليبرالية بالفطرة، تؤمن أن الحرية ليست شعارًا، بل سلوكًا يوميًا، وأن العدالة لا تُرفع على المنصات بل تُمارس في التفاصيل الصغيرة، وأن قبول الآخر ليس تنازلًا بل اكتمالًا للإنسان.
انضمامه إلى حزب الغد لم يكن انتقالًا تنظيميًا بقدر ما كان عودةً إلى ما يشبهه.
لم يأتِ باحثًا عن موقع، بل جاء حاملاً مشروعًا داخليًا من الانضباط والإيمان، يعرف أين يقف، وماذا يريد، وكيف يصل دون أن يُحدث ضجيجًا.
تدرّج سريعًا… لكن ليس بسرعة الطامحين، بل بثبات العاملين.
كان الموقع يذهب إليه، لا يذهب إليه هو.
كان الاختيار يقع عليه، لأنه ببساطة… حاضر حين يغيب الآخرون.
في مرحلة قيادة صديقي الحبيب المهندس وائل نواره ، ذلك الرجل الذي مثّل مدرسةً في الفكر والتنظيم، تشكّلت ملامح جيلٍ جديد، وكان حسام علي أحد أبرز تلاميذه.
تشرّب خبرة البناء، وتعلّم أن التنظيم ليس هياكل، بل روحٌ تسري في التفاصيل، وأن الحزب ليس لافتة، بل شبكة علاقات إنسانية واعية.
تولّى موقع السكرتير العام المساعد، ثم أصبح في صدارة السكرتارية العامة، في مرحلةٍ لم تكن سهلة…
مرحلة ما بعد اعتقال 2005 2009، حيث كان على الحزب أن يعيد تعريف نفسه، وأن ينهض من تحت الركام.
هناك، لم يكن حسام علي مجرد مسؤول، بل كان ورشة عملٍ مفتوحة…
يبني،
يربط،
يوثّق،
ويعيد وصل ما انقطع.
شهدتُ عن قرب كيف كان يتحرك…
ذاكرةٌ هائلة تحفظ التفاصيل،
قدرةٌ نادرة على بناء شبكات اتصال،
صبرٌ لا ينفد،
وجلَدٌ لا ينكسر.
كان يبني التنظيم كما يُبنى البيت القديم… لبنةً فوق لبنة، بثقةٍ لا تعرف العجلة.
قبل ثورة يناير وبعدها، ظلّ هو نفسه…
لم تغيّره اللحظة، ولم تُغره الفوضى، ولم يبدّل خطّه تحت ضغط التحولات.
ثباتٌ في الموقف، ونقاءٌ في الاختيار، وكأن الزمن يمرّ حوله دون أن ينجح في إزاحته عن موقعه الأخلاقي.
علاقةٌ خاصة نشأت بيني وبينه…
قربٌ إنساني، وثقةٌ سياسية، واطمئنانٌ نادر في عالمٍ يندر فيه الاطمئنان.
كان أقرب إلى القلب، وأقرب في الوقت نفسه إلى عقل التنظيم…
دينامو لا يهدأ، وعقل لا يتشتت.
لم يكن يومًا انتهازيًا…
لم يطلب موقعًا،
لم يسعَ إلى شهرة،
لم يرفع صوته ليُسمع،
بل رفع عمله… فسمعه الجميع.
كل ما وصل إليه، جاءه لأنه يستحقه، لا لأنه سعى إليه.
كنت كثيرًا ما أشفق عليه…
تواضعه المفرط كان يدفعه إلى الصف الثاني،
بينما خبرته، وعقله، وتجربته، كانت تؤهله للصف الأول.
أدبٌ جمّ، وإنكارٌ للذات، ورضا بدورٍ أقل مما يستحق…
وكأنّه اختار أن يكون ظلًا، رغم قدرته على أن يكون شمسًا.
جيل الوسط في العمل السياسي طالته شكوكٌ كثيرة، وانكساراتٌ أكثر…
لكن حسام علي كان أحد الذين أعادوا لي الثقة في هذا الجيل.
أثبت أن هناك من يعمل دون ضجيج، ويصبر دون يأس، ويبني دون أن ينتظر تصفيقًا.
أراه اليوم واحدًا من القلائل القادرين على إعادة بناء الحياة الحزبية…
حين تتوافر البيئة التي تستحقهم،
وحين تعود السياسة إلى معناها،
وحين يختفي الزيف الذي ملأ الفراغ.
يومها…
لن تحتاج الوجوه الحقيقية إلى تعريف،
وسيسقط الكثير من الواجهات التي خدعها فراغ الساحة،
وسيعرف الناس أن البناء الحقيقي لا يصنعه الصاعدون بسرعة،
بل أولئك الذين صعدوا في صمت… ولم يسقطوا.
حسام علي…
ليس مجرد اسم في سجل حزب،
بل حكاية رجلٍ اختار أن يكون أمينًا لفكرته،
وصبورًا على طريقه،
وصادقًا مع نفسه…
فاستحق أن يبقى…
وجهًا لا يغيب.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى