مقالات وآراء

عدنان الصباح يكتب : قبل أن نلعن العالم… لنجرؤ على النظر في المرآة

هذه الأيام ينشغل العالم بأسره بحروب تمتدّ عبر شرق وغرب آسيا، تُدار عبر بوابة وذريعة إيران. وفي خضم هذا الضجيج، تُدفن—بقصد من الأعداء وبغير قصد من الأصدقاء—قضية فلسطين، ويُترك نزيف غزة ليصرخ في فراغٍ لا يجيب. لكن الكارثة الحقيقية ليست في صمت العالم فحسب، بل في المشهد الذي يوحي وكأن الفلسطينيين أنفسهم لم يعودوا في قلب قضيتهم.

فهل يُعقل أن نقف هذا الموقف المتفرّج، فيما استطاع حزب الله أن يفرض قضية بلده بندًا حيًا لا يُتجاوز في معادلات المنطقة؟ لسنا هنا ندعو إلى استنساخ تجربته عسكريًا، بل إلى استلهام جوهرها سياسيًا: كيف تتحوّل القضية إلى أولوية لا يمكن تجاهلها. اليوم، حيث تتزاحم الملفات وتُفتح الجبهات من العراق إلى اليمن، تتوفر لحظة نادرة—إما أن نقتنصها أو نُمحى في هامشها. إنها لحظة تفرض علينا أن نُشعل قضيتنا من جديد، لا بشعارات متفرقة، بل بوحدة حقيقية، بصوت واحد، وبرنامج واضح، يفرض نفسه على الإقليم والعالم. ومن أراد بلوغ هذه اللحظة، فعليه أولًا أن يمتلك شجاعة النظر في المرآة… بصدقٍ لا يُجامل ولا يهرب.

نحن الفلسطينيين… نعم، نحن الجرح الأكثر انكشافًا في هذا العصر؛ خذلنا أنفسنا قبل أن يخذلنا الآخرون، وأدرنا ظهورنا لقضيتنا، ولدمنا الذي يُسفك كل يوم، ثم جلسنا على قارعة الانتظار نطالب العالم أن ينقذنا! نصرخ، نشتم، نُخوّن، ونوزّع الاتهامات في كل اتجاه… إلا اتجاهنا. نُجيد رؤية أخطاء الجميع، ونعجز عن مواجهة اعوجاجنا. فبأي حق نطالب العالم بالعدل، ونحن لم نُقم العدل في بيتنا؟ وبأي منطق ننتظر إنصافًا من الخارج، ونحن أول من قَصّر في حق نفسه؟

ما الذي فعلناه بأنفسنا؟

انقسمنا… ولم يكن انقسامنا عثرة عابرة، بل صار نهجاً مزمناً، جرحاً نتوارثه جيلاً بعد جيل.

اقتتلنا… وسفكنا دم بعضنا، في المنافي وتحت الاحتلال، حتى بات العدو أقل كلفةً من أخينا.

خوّنا وكفّرنا بعضنا علناً، بلا حياء ولا رادع، وفتحنا أبواب بيوتنا لرياح الفضيحة، ننشر أقذر ما فينا بأيدينا.

تنكّرنا لكل من مدّ لنا يداً، وجحدنا كل جميل، وتركنا من احتاجنا يسقط وحيداً.

حطّمنا صورتنا بأنفسنا، حتى صرنا مثالاً يُضرَب في التشرذم والإنكار.

صافحنا العدو حيناً، ثم نصبنا المشانق لمن صافحه، فصرنا نحاكم النوايا ونعبد التناقض.

طبعنا… ثم تخوّنا من يطبّع، وكأننا نتقن ازدواجية المعايير أكثر مما نتقن الثبات على موقف.

سلّمنا مفاصل حياتنا لعدونا، طوعاً أو عجزاً: ماءنا، كهرباءنا، خبزنا، وحتى رواتبنا. صرنا نستجدي فتات حقنا من يد من يقتلنا! وحين قرر أن يخنقنا أكثر، جُبنا الأرض طلباً للصدقات، ولم نغضب على من يسرق قوتنا ويحوّله إلى رصاص في صدور أطفالنا، بل غضبنا على من لم يعطنا!

خاصمنا عمقنا العربي، ففتحنا جبهات مع الأشقاء، وتورطنا في صراعات لا نملك قرارها، ثم صمتنا حين سالت الدماء.

شوّهنا البوصلة الأخلاقية: من يقتلنا صار “أهل كتاب”، ومن يدعمنا صار “كافراً”!

دفعنا من كان سنداً لنا إلى الانكفاء، ثم تركنا أرضنا نهباً للتهويد، حتى انقلبت المفاهيم وصار الاحتلال تحريراً!

أجرينا انتخابات تُدرّس، ثم دفناها بأيدينا، وكأن الديمقراطية جريمة لا تُغتفر.

صالحنا الاحتلال… وفتحنا حرباً على بعضنا!

فأيّ سقوطٍ لم نبلغه؟ وأيّ خطيئةٍ تركناها ولم نرتكبها بحق أنفسنا؟

وما الذي لم نفعله لأنفسنا؟

لم نتحد… ولو لمرة واحدة بصدق.

لم نبنِ دولة، بل حاربنا فكرة الدولة حين اصطدمت بمصالحنا الضيقة.

لم نجتمع على برنامج، ولا على صوت، ولا على طريق؛ كلٌّ منا دولة، وكلٌّ منا حقيقة مطلقة.

لم نحتكم للشعب، بل منح كلٌّ منا نفسه تفويضاً أبدياً، كأنما اصطفاه القدر دون سواه.

لم نبنِ نظاماً نزيهاً، لأن الفساد كان أسهل، وأسرع، وأكثر ربحاً.

لم نبنِ مؤسسات، بل صنعنا أصناماً بشرية، ثم خضعنا لها طوعاً.

لم نواجه عدواً نكث بكل شيء، بل تمسكنا بالصمت كأنه إنجاز، فيما كان يذبحنا بلا توقف.

لم نقم دولة، بل وهماً هشّاً، وتقاتلنا على سلطة بلا سلطة، حتى انتهينا إلى حكومتين لا تحكمان.

اختزلنا نضالنا في كلمتين: “خائن” و”إرهابي”… لا ثالث بينهما.

لم نحفظ كرامة متقاعد، ولا حق موظف، ولا أرض مزارع؛ فجاع الناس، وضاعت الأرض، وانكسر الإنسان.

انقلبت معاييرنا: ما كان خيانة صار اليوم بطولة، وما كان عاراً صار منصباً ونفوذاً.

لم نحْمِ التعليم، فقتلنا عقلنا بأيدينا.

لم نحْمِ الصحة، فصار المرض حكماً على الفقراء.

لم نحْمِ القضاء، فمات العدل، وعاش الظلم آمناً مطمئناً.

لم نبنِ عدالة اجتماعية، بل أسقطناها حين اصطدمت بمصالح المتنفذين.

نحن لا نُهزم فقط من عدوّنا… بل نهزم أنفسنا كل يوم.

ولا نخسر قضيتنا فقط على طاولة العالم… بل نخسرها أولاً في داخلنا.

فكيف نطلب من العالم أن يسمع صوتنا… ونحن أول من خنقه؟

ان واقع حالنا المزري يجبرنا بان نستنهض كل الطاقات ولكن على أسس واضحة لا لبس فيها وهي تقوم على ما يلي

1) لا عصمة لاحد ولا أحد فوق المحاسبة أيا كان تاريخا وواقع

أول خطوة حقيقية هي الاعتراف بأن الخطأ داخلي بقدر ما هو خارجي وان فحص الذات وادراكها اهم من قراءة الوضع بعين الذات الراضية. لا مشروع وطني يمكنه ان ينجح دون مساءلة علنية: من أخطأ يُسأل، ومن فشل يُستبدل. على قاعدة تحويل والمساءلة “النقد” من خيانة إلى واجب.

2) الوحدة ضرورة وعقد اجتماعي وليست عاطفة ورغبة

الوحدة ليست خطاباً ولا صورة جماعية؛ هي اتفاق عملي على حد أدنى: برنامج سياسي واحد وموحد، آليات قرار حقيقة وقابلة للتطبيق، وقواعد لحلّ الخلاف تقوم على مصلحة الشعب والوطن لا مصالح الأطراف الحزبية. بدون عقد واضح وحقيقي، سنعود للانقسام عند أول اختبار مهما كان صغيرا.

3) لا شرعية ابدية لاحد والانتخابات سيدة الجميع

لا شرعية لاحد دون صندوق الاقتراع. ولا بديل عن انتخابات دورية (تشريعية ورئاسية ومحلية) مع ضمانات النزاهة الشفافية والرقابة الشعبية، هي الطريق الوحيد لإعادة الثقة وإنهاء “التفويض الأبدي” لأي طرف كان.

4) الأشخاص لخدمة المؤسسات وليس العكس

بناء مؤسسات تعمل بالقانون لا بالأفراد: قضاء مستقل، رقابة مالية حقيقية، وإدارة عامة قائمة على الكفاءة وعلى قاعدة الشخص يذهب والمؤسسة تبقى.

5) توحيد الخطاب السياسي

التناقض يقتلنا. نحتاج رسالة سياسية واحدة للعالم ولأنفسنا: ماذا نريد؟ كيف نريده؟ وما خطوطنا الحمراء؟ الازدواجية تفقدنا المصداقية.

6) بناء اقتصاد وطني للصمود والمواجهة

تقليل الارتهان: دعم الإنتاج المحلي، الزراعة، المشاريع الصغيرة، والطاقة البديلة. كل خطوة تقلل التبعية تعني مساحة قرار أوسع.

7) صناعة تعليم قائم على التفكير والسؤال

تعليم يصنع إنساناً ناقداً لا مقلِّداً: مهارات، علوم، تفكير نقدي، ومسؤولية مدنية. هذا استثمار بطيء… لكنه الأكثر حسماً.

8) إعادة تعريف المقاومة بمعناها الشامل

المقاومة ليست شكلاً واحداً: هي سياسة ذكية، صمود اقتصادي، عمل قانوني دولي، وإدارة داخلية نظيفة. تعدد الأدوات قوة إذا وُحِّدت تحت هدف واضح.

9) بناء مجتمع موحد وطني لا قبائلي بالحزبية او العشائرية

الاقتتال الداخلي هو الهزيمة الأسرع. أي خلاف—مهما كان—يُدار بلا سلاح. هذه ليست مثالية، بل شرط بقاء.

10) توحيد طاقات الشتات وتحويلها الى قوة ضغط

الجاليات ليست هامشاً: تنظيمها في أطر مهنية وحقوقية وإعلامية يخلق نفوذاً حقيقياً في العواصم المؤثرة.

11) صياغة ميثاق شرف لإعلام حر ونزيه وطني وناقد

إيقاف التحريض والتخوين الرخيص. إعلام يحاسب ويكشف، لكن دون أن يهدم ما تبقى من الثقة المجتمعية.

12) تنفيذ برامج عمل قابلة للقياس والتطبيق

بدل “الخطة الكبرى” غير القابلة للتنفيذ، نبدأ بسلسلة إنجازات ملموسة وحقيقية وعملية

وبكل صراحةٍ ومباشرةٍ ووضوحٍ، فإنّ شيئًا لن يتغيّر فقط لأنّ العالم قرّر أن يكون عادلًا، بل لأنّنا قرّرنا أن نكون منظّمين، صريحين مع أنفسنا، وقادرين على فرض كلفة على من يستهين بنا، بأدواتٍ سياسيةٍ ومجتمعيةٍ واقتصاديةٍ متماسكة.

نحن شعبٌ قادر، ويستطيع، لكنّه بحاجةٍ فقط لأن يقرّر ذلك. فالأزمة أبدًا لم تكن يومًا في عدم وجود حلول لواقع حالنا، بل في غياب إرادةٍ حقيقيةٍ للوصول إليها والإمساك بها. فنحن جميعًا نعرف ماذا يجب علينا أن نفعل، ومع ذلك نواصل تغييب هذه المعرفة وعدم تحويلها إلى فعلٍ حيّ، وننخرط في إدارة أزماتنا وكأنّها قدرٌ لا مفرّ منه، بدل أن ننخرط في عملٍ حقيقيّ للتخلّص منها والانتصار عليها. ذلك أنّ التغيير الحقيقيّ يصبح أحيانًا مؤلمًا للبعض، أو أنّ الانتقال إليه مكلفٌ للبعض، والإبقاء على واقع الحال مهما كان سيئًا يُنظر إليه على أنّه أقلّ كلفةً من صناعة الجديد، أيًّا كانت إيجابياته. وبالتالي، فإنّ الخروج من هذا الواقع الموجع لا يتطلّب معجزةً إلهية، بل قرارًا إنسانيًا بأن علينا أن نشمّر عن سواعدنا ونبدأ، لا أكثر ولا أقل.

فالمطلوب أولًا أن نعرف طريقنا وكيف نسلكه، وإلى أين نريد الوصول. فمن المستحيل أن نصل بهذا التناقض العميق الذي نغرق فيه، حتى دون أن نراه أحيانًا، بما يجعلنا نبدو كأنّنا لا نرغب برؤيته أو إدراكه عن قصدٍ مبيّت. فتضارب الرؤية والخطاب يصل أحيانًا إلى تضاربٍ في الأهداف، وهو ما يعني أنّنا بحاجةٍ إلى قرارٍ واضح: إمّا أن نحمل جميعًا مشروعًا واحدًا، أو نبقى على حالنا بمشاريعنا التي لا يربطها رابط، إلى أن نندثر قبل أن نصحو ونتغيّر.

الحقيقة المرّة أنّ هذا لن يكون ممكنًا بهذه البساطة، ولمجرّد كتابته أو نشره، ولا لمجرّد الرغبة بتطبيقه، إن كان مناسبًا أو صحيحًا، بل إنّه سيجد كلّ أشكال المقاومة، من الداخل أولًا ثم من الخارج. وليس شرطًا أن تأتي مقاومته من الأعداء فقط، بل من أولئك الذين لا يحتملون الانتقال من حالٍ إلى حال، حتى لو كان حالًا أفضل. فمدرسة الرضا بالحال عميقةٌ في أوساط كلّ الشعوب التي تخشى الانتقال إلى الأفضل، فالبعض يعتاد الفوضى ويستفيد من غياب النظام والرؤى الواضحة.

كلّ ما نحتاجه، إذن، ليس أكثر من لحظة شجاعةٍ صادقة؛ لحظة نملك فيها الجرأة على النظر في المرآة، لا لنرى ما نحبّ أن نراه، بل ما نخشى الاعتراف به. أن نواجه أنفسنا كما هي، بلا تزيينٍ ولا تبرير، وأن نقرأ الحقيقة بوعيٍ كامل، لا بانتقائيةٍ مريحة. فالحقيقة التي لا نجرؤ على تسميتها تبقى قادرةً على هزيمتنا في كل مرة. أمّا حين نعترف بها كما هي، ونضع أيدينا على مواضع الخلل دون خوفٍ أو إنكار، فإننا لا نكون قد انتصرنا بعد، لكننا نكون قد بدأنا الطريق الوحيد الممكن نحو ذلك؛ طريق المواجهة، لا الهروب، وطريق الفعل، لا الاكتفاء بالكلام.

وباختصار، فإنّ قضيتنا لا تكمن في أنّ العالم لم يُنصفنا، بل لأنّنا لم ننصف أنفسنا. وبذا، فإنّ شيئًا لن يتغيّر على الإطلاق حتى نقرّر، بكلّ الشجاعة، أن نكون ذلك الشعب الذي يعمل ويحاسب، يبني ويختار. وفي الطريق إلى هناك، نقوم باغتيال عقلية التبرير والانتظار.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى