حدث في مثل هذا اليوم: أحمد عبود باشا.. رائد التمصير وأحد أعمدة الاقتصاد المصري قبل 1962

يُعد أحمد عبود باشا واحدًا من أبرز الشخصيات التي ساهمت في بناء الاقتصاد المصري خلال النصف الأول من القرن العشرين، حيث لعب دورًا محوريًا في دعم حركة التمصير وتعزيز الاستقلال الاقتصادي في مواجهة الهيمنة الأجنبية. ورغم هذا الدور الكبير، لم يحظَ بالاهتمام الكافي في كتب التاريخ السياسي، مما جعل كثيرًا من جوانب حياته وإنجازاته بعيدة عن معرفة العامة، باستثناء إشارات محدودة في بعض الأعمال الفنية.
وُلد أحمد عبود باشا في القاهرة عام 1889، ونشأ في بيئة شعبية بحي باب الشعرية، حيث كان والده يمتلك حمامًا شعبيًا، وشارك في إدارته منذ صغره، قبل أن يتجه إلى التعليم ويتخرج في مدرسة “المهندسخانة”. بدأ حياته العملية براتب بسيط لم يتجاوز 5 جنيهات شهريًا، من خلال العمل في أحد المشروعات الهندسية بمدينة أرمنت قرب الأقصر، قبل أن يقرر ترك الوظيفة الحكومية والانطلاق نحو العمل الحر.
اتجه عبود باشا إلى تنفيذ مشروعات هندسية لصالح الحكومة العثمانية، التي قدّرت كفاءته ومنحته النيشان العثماني الرابع، ثم رتبة البكوية الممتازة، تقديرًا لإنجازاته. ولم تتوقف مسيرته عند هذا الحد، إذ سافر إلى العراق وشارك في مشروعات الري الكبرى بالتعاون مع المهندس البريطاني الشهير ويليام ويلكوكس، كما ساهم في إنشاء خط سكة حديد بغداد قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى.
واصل عبود باشا نشاطه في مجال البنية التحتية، فشارك في إنشاء شبكات السكك الحديدية في فلسطين وسوريا، وعمل مع شركات مقاولات مرتبطة بالمشروعات العسكرية للجيش البريطاني. وخلال هذه الفترة، تعرّف على أحد كبار المسؤولين في الأشغال العسكرية، وتزوج من ابنته، وهو ما شكّل نقطة تحول مهمة في مسيرته المهنية، حيث بدأ العمل لحسابه الخاص بدعم من شبكة علاقاته الجديدة.
استطاع عبود باشا خلال سنوات قليلة تكوين ثروة كبيرة، مكنته من السيطرة على عدد من الشركات الحيوية، من بينها شركة “ثورنيكروفت” للنقل، ثم شركة “بواخر البوستة الخديوية” التي كانت خاضعة للنفوذ البريطاني. ونجح في تحويل هذه الشركة إلى واحدة من أقوى شركات الملاحة في مصر، مستفيدًا من امتلاكها أرصفة وأحواضًا جافة في مينائي الإسكندرية والسويس، إلى جانب ورش متطورة لتدريب العمالة المصرية على صناعة السفن وصيانتها.
وفي عام 1930، مُنح عبود باشا رتبة الباشوية في عهد الملك فؤاد الأول، قبل أن يبرز اسمه ضمن قائمة كبار أثرياء مصر بحلول عام 1935، مع توسع نشاطه الاقتصادي بشكل لافت. وقد عكس هذا الصعود السريع قدرته على استغلال الفرص الاقتصادية وبناء شبكة استثمارات متنوعة في مجالات النقل والملاحة.
ومن أبرز إنجازاته، إطلاق أول خط ملاحي مباشر بين مصر والولايات المتحدة عام 1948، عبر باخرتي “الخديوي إسماعيل” و”محمد علي الكبير”، في خطوة اعتُبرت نقلة نوعية في تاريخ البحرية المصرية. وقد ساهم هذا المشروع في دعم حركة التجارة الخارجية، وتقليل الاعتماد على الشركات الأجنبية، بما يساعد في الحفاظ على العملة الوطنية ومنع تسربها إلى الخارج.
شكّل مشروع الخط الملاحي بين مصر وأمريكا نموذجًا عمليًا لفكرة الاستقلال الاقتصادي، حيث ربط بين طموحات التمصير واحتياجات السوق العالمية، وفتح آفاقًا جديدة للتبادل التجاري. كما عكس رؤية عبود باشا لأهمية بناء اقتصاد وطني قوي قائم على الإنتاج والنقل والتجارة.
ورغم أن اسمه لا يحضر بقوة في السرديات التاريخية التقليدية، فإن تجربة أحمد عبود باشا تظل واحدة من أبرز النماذج المصرية التي جسدت التحول من البدايات المتواضعة إلى قمة النفوذ الاقتصادي. وهي تجربة تعكس مرحلة مهمة من تاريخ مصر، قبل التحولات الكبرى التي شهدتها البلاد بعد عام 1962.







