
يتفق الكثيرون من أبناء جيلى على حقيقة افتقار الرؤية المصرية للنظرة المستقبلية، ورغم أن ارتياد ذلك المستقبل هو الأمل في فهم الحاضر وتفسير الماضى ولكننا لازلنا نزحف ببطء لرؤية ما هو قادم وإدراك تفاصيله ومحاولة حل الغازه، ويمثل العالم المصرى د. حسام بدراوي مركز اهتمام بالدراسات المستقبلية والحوارات المفتوحة خصوصا مع أجيال الشباب الذي يبدو أحيانا مكيلا بقيود الماضي ومحروما في الوقت ذاته من ميزات المستقبل، فالدكتور حسام أستاذ طب مرموق ولكنه عكف في العقود الثلاثة الأخيرة على قراءة المستقبل والتفتيش في أخطائنا والبحث في عناصر القوة والضعف لدينا وكان طبيعيا لشخصية تملك الأفق الواسع والنظرة الرحبة أن يدرك أن الأمر سوف يكون مختلفا لديه فقد يرى ما لا نراه ويدرك مالم نصل لتفسير الغازه وكان طبيعيا أن يبدأ الدكتور بدراوي رحلته إلى المستقبل بالبحث في قضايا التعليم وإعطائها الاهتمام الأكبر والرؤية الأهم. وقد تمكن عبر سنوات قليلة من تشكيل قاعدة علمية متماسكة تضم أعدادا كبيرة من الأجيال الجديدة التي يؤرقها شبح العنف المتزايد ومخاوف الصراع بين الماضى والحاضر في ظل زحف تكنولوجي كاسح لقد اكتشف صاحبنا منذ البداية أنه إذا كان التعليم هو مفتاح البوابة نحو الغد الذي ترقبه فإن استشراف المستقبل لاشك يحتاج إلى أدوات معاصرة إذ لا يمكن الغوص في أعماق ما هو قادم دون أن تدرك أن دراسة الماضي وفهم الحاضر هما الأدانان اللازمتان لطرق الأبواب وفتح المظاريف كل ذلك حتى تدرك الأجيال الجديدة أن الطريق طويل وأن الرحلة شاقة ولكنها تصب في النهاية كما اكتشف الدكتور بدراوي فيما تطلق عليه الإرادة السياسية، فالتعليم والصحة والفكر والثقافة كلها تروس تدور في حلقات متوازية يرى من خلالها أصحاب الفكر وقادة الرأى أن عيون زرقاء اليمامة قادرة على التعرف على الأشياء عن بعد والفهم مهما طال الطريق وتكاثرت المصاعب واتسعت المسافات، وقد غابت أبعاد نظرية وحدة المعرفة في السنوات الأخيرة وهي التي تدفع ببعض الأشخاص نحو مدارك الفكر الموسوعي والذي أظن عن يقين أن حسام بدراوى يرتاده بجسارة وشجاعة وشموخ، فهو يضرب يسهم في كل اتجاه وينتظر الحصاد مهما طال الزمن، ويدرك دوما أن طاقة المستقبل لا تضيء إلا لأصحاب الإرادة السياسية القادرة على التغيير بحكم مكانها وإمكاناتها الراغبة في التحول بمنطق طموحاتها، وإذا كنا قد عانينا في العقود الأخيرة من عملية تجريف واضحة للكفاءات واستغناء عن المضي في الدروب المستقيمة والانزلاق إلى تفاصيل خادعة إلا أن الرؤية الشاملة تبقى في النهاية هي بيت القصيد وجوهر الأمر برمته، ولقد تعرض الدكتور بدراوى لأزمة منتصف العمر منذ سنوات حين حاولت السياسة أن تجذبه فانصاع لها في ذكاء ولكنه ظل يمسك باللجام ولا يسمح لأحد بقيادته، نعم لقد تطلع الرجل إلى ما يتناسب مع قدراته وجهوده ولكنه سرعان ما انصرف عن ذلك ليلقى بنفسه في أتون الفكر العصري متألقا بعدد من الأفكار المضيئة حاملا هموم جيله وأجيال أخرى تتطلع إليه.. إنه حقا نموذج فريدا







