
توقفت طويلاً عند آية من سورة المنافقين. والمنافق في المفهوم القرآني من يُظهر خلاف ما يُبطن: وجه للناس وآخر يخفيه عنهم. وقد وصفت الآية هذا النوع من البشر في ثلاث مراحل متتالية: ﴿وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم﴾ (المنافقون: 4)
إعجاب، ثم إنصات، ثم لحظة اختبار ينكشف فيها ما كان مستورا.
والقرآن وإن كان يصف هنا أقواما بشرية، فإن الصورة التي رسمها تتجاوز حدود الفرد لتصف ظاهرة اجتماعية أوسع: كل كيان تعلّم أن يُظهر خلاف ما يُبطن، وأن يملأ المشهد بحجمه دون أن يملأ وظيفته بفعل. ويمكن أن تُقرأ هذه المراحل أيضاً في المؤسسات التي تُظهر التماسك والثقة في النفس وهي في داخلها خاوية.
توقفت طويلاً عند آية من سورة المنافقين. والمنافق في المفهوم القرآني من يُظهر خلاف ما يُبطن: وجه للناس وآخر يخفيه عنهم. وقد وصفت الآية هذا النوع من البشر في ثلاث مراحل متتالية: ﴿وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم﴾ (المنافقون: 4) تختلف هذه الصورة عن مشهد النبي سليمان المتكئ على عصاه. في تلك القصة كان ثمة حياة حقيقية قبل الموت، وحين مات الجسد بقيت الهيبة. بقيت لأنها كانت في الواقع حقيقية. أما الخشب المسنّد فيبقى فيه الجسد واقفا وتموت الوظيفة. ويبقى الخطاب حيث كان ينبغي أن يبقى الفعل. ولهذا لا يسقط، وإنما يبقى في مكانه يشغل حيزه، وهذا ما يجعله أعسر مواجهة وأصعب اقتلاعا. نحن أمام فراغ مُقنَّع لا يريد له أحد أن ينكشف، وهو وضع مغاير لموت صريح يسقط فيه الجسد ويترك المكان لما هو حي.
تفصيل الخشب في الآية يفتح زاوية أخرى للفهم. الخشب كان شجرة. كان جزءا من دورة حياة كاملة، ثم انقطعت عنه أسبابها وبقي هيكله. في المؤسسات يحدث شيء قريب من ذلك، على امتداد زمني قد يطول وقد يقصر: تنقطع الصلة بين الغاية التي أُسست من أجلها والوجود اليومي الذي تمارسه. وتتحول الوسيلة إلى غاية في حد ذاتها، ويصبح الحفاظ على الهيكل أهم من أداء المهمة. لا يقع هذا دفعة واحدة، ولا يُعلن عنه، بل يتكوّن تدريجيا حتى يصبح وضعا مستقرا.
في التحرير والتنوير يوضّح الشيخ الطاهر بن عاشور المعنى بقوله: “المسنّدة التي سندت إلى حائط أو نحوه، فهي غليظة طويلة قوية لكنها غير منتفع بها في سقف ولا مشدود بها جدار”. ثم يمضي في بيان المفارقة: “فإذا رأيتموهم حسبتموهم أرباب لب وشجاعة وعلم ودراية، وإذا اختبرتموهم وجدتموهم على خلاف ذلك”.
هنا تتضح المفارقة: الضخامة موجودة والجدوى غائبة. وهذا بالضبط ما تصنعه بعض المؤسسات: تملأ المشهد بحجمها، وتُقنع بخطابها، لكنها حين تُختبر لا تحمل سقفا ولا تُسند جدارا. الخشب المسنّد لا يقف بنفسه، بل بما يسنده.
ولذلك لا يسقط. فراغ المؤسسة معروف لمن بداخلها، ومع ذلك تبقى قائمة، لأن سقوطها مكلف: للموظف الذي يرتبط براتبه، وللمسؤول الذي يستمد منه نفوذه، وللسياسي الذي يوظّف رمزيته. يتحول الفراغ إلى توازن صامت، يُسنَد فيه الخشب لأن في سقوطه خسارة يتقاسمها الجميع. وما الجدار الذي يحمله إلا شبكة مصالح تتغذى من بقائه.
﴿وإن يقولوا تسمع لقولهم﴾. يكشف هذا الوصف آلية دقيقة. المؤسسة التي تعجز عن تحقيق النتائج تطوّر قدرة على إنتاج خطاب يملأ الفجوة، فتتضخم الاجتماعات، وتتزين السرديات، وتُعاد صياغة السياسات والمخططات مرارا دون أثر. وهذه آلية دفاع طوّرتها المؤسسة كي تواصل تبرير وجودها لنفسها قبل الآخرين. حتى أصبحت هناك قاعدة مجرّبة في أوطاننا: كلما ضعف الفعل الحقيقي، ارتفعت الأصوات وكثرت الشعارات.
﴿يحسبون كل صيحة عليهم﴾ : يظنون أن كل صوت عال يستهدفهم ويوشك على فضح حقيقتهم المخفية. الخوف هنا قلق على الكيان وعلى الجدار الذي يحمله. يتحوّل السؤال إلى تهديد، والكفاءة إلى مصدر قلق، والنقد إلى خطر على البقاء. المؤسسة التي تستند إلى جذور تتعامل مع المساءلة بثقة، أما التي تعتمد على الإسناد فترى في كل حركة احتمال اهتزاز.
في التحرير والتنوير يوضّح الشيخ الطاهر بن عاشور المعنى بقوله: “المسنّدة التي سندت إلى حائط أو نحوه، فهي غليظة طويلة قوية لكنها غير منتفع بها في سقف ولا مشدود بها جدار”. ثم يمضي في بيان المفارقة: “فإذا رأيتموهم حسبتموهم أرباب لب وشجاعة وعلم ودراية، وإذا اختبرتموهم وجدتموهم على خلاف ذلك”. وثمة ما هو أشد وطأة في هذه الصورة: المؤسسة الفارغة أحيانا أخطر من الفراغ نفسه. غياب المؤسسة يدفع الناس إلى ملء الفراغ بمبادرات قد تبدأ صغيرة ومشتتة ثم تنتظم وتقوى. أما وجودها الذي يشغل الحيز دون وظيفة فيوهم بأن المهمة منجزة، فتُهدر الميزانيات، وتُصادر الصلاحيات، وتظل المساحة التي كان يمكن أن ينشأ فيها شيء حيّ محتلة بما لا يحيا ولا يموت.
الخشب الساقط يفتح الطريق، والخشب المسنّد يضيّق الأفق ويصادر المستقبل.
تنتهي الآية الكريمة بعبارة ذات ثقل: ﴿أنى يؤفكون﴾. والإفك يعني الانقلاب عن الصواب. مسار من الانصراف عن المعنى، يتكرر حتى يترسخ. تتجه المؤسسات إلى هذا المصير حين يُقدَّم الشكل، ويُهمل الأصل، ويُعوَّل على ما يسند بدلا مما ينبت.
وتبقى الأسئلة التي يطرحها التاريخ مفتوحة: كم مؤسسة حولنا اليوم فارغة تستند إلى جدار كي تبقى واقفة؟ وكم من جدار يواصل الحمل الثقيل لأن الكلفة موزّعة على الجميع؟
وصدق الله العظيم: ﴿لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب﴾.







