
في لحظات التحول التاريخي، لا تُقاس قوة الدول بما تملكه من أدوات سلطة، بل بما تضمنه من حقوق. وفي الحالة السورية، حيث تمر البلاد بمرحلة انتقالية مفصلية تمهّد لتحول ديمقراطي مأمول، تبرز حرية الرأي والتعبير — كما كفلها الإعلان الدستوري المؤقت — ليس فقط كحق أساسي، بل كـ خط أحمر لا يجوز المساس به، وأحد أعمدة الجمهورية الجديدة.
لقد كانت الحرية، منذ البدايات الأولى للحراك الشعبي، جوهر المطالب التي عبّر عنها السوريون. لم تكن المطالبة سياسية فحسب، بل كانت مطلبًا وجوديًا: أن يكون للإنسان صوت، وأن يُسمع دون خوف، وأن يُعبّر دون تهديد. ومن هنا، فإن أي مشروع لبناء “سوريا الجديدة” يفقد معناه إذا لم يضع حرية التعبير في قلبه، لا على هامشه.
إن إدراج حرية الرأي والتعبير في الإعلان الدستوري المؤقت ليس مجرد نص قانوني، بل هو إقرار بقيمة تأسيسية ينبغي أن تُترجم إلى ممارسة يومية. فالحقوق لا تُقاس بما يُكتب في النصوص، بل بما يُحمى في الواقع.
وفي هذا السياق، يصبح من الضروري التأكيد على أن الحرية ليست امتيازًا تمنحه السلطة، بل حق أصيل لا يجوز تقييده إلا ضمن أضيق الحدود، ووفق معايير الضرورة والتناسب، وبعيدًا عن أي توسّع في الملاحقة القضائية التي قد تتحول إلى أداة لتقييد الأصوات بدل حمايتها.
المرحلة الانتقالية ليست مجرد جسر سياسي، بل هي اختبار حقيقي لمدى الالتزام بقيم الدولة الديمقراطية. فإما أن تُبنى هذه المرحلة على احترام الحقوق والحريات، فتؤسس لدولة قانون، أو أن تُفرّغ هذه الحقوق من مضمونها تحت ذرائع التنظيم أو الاستقرار.
إن أي تراجع عن حماية حرية التعبير في هذه المرحلة — سواء عبر التضييق الإداري أو التهديد بـ الملاحقة القضائية الواسعة — لا يُضعف فقط الإعلام، بل يُضعف ثقة المواطنين بمشروع الدولة الجديدة، ويعيد إنتاج أنماط الخوف التي سعت الثورة إلى تجاوزها.
إن الاختلاف في الرأي ليس تهديدًا للدولة، بل هو أحد أهم عوامل قوتها. فالتعددية الفكرية والنقد البنّاء يشكّلان دافعًا حقيقيًا يدفع السلطات التنفيذية والتشريعية إلى تحسين أدائها، ويعزّزان من جودة القرار العام.
كما أن وجود مجتمع مدني نشط وإعلام حر قادر على التعبير والنقد يضع مؤسسات الدولة تحت رقابة تحفيزية إيجابية، تُسهم في تصحيح المسار وتعزيز الشفافية والمساءلة.
أما غياب هذا الاختلاف، أو السعي إلى قمعه عبر أدوات مثل التضييق أو الملاحقة القضائية، فإنه يؤدي إلى بيئة مغلقة تُغيّب النقد، وتُضعف الأداء العام، وقد يعيد إنتاج نماذج حكم فاشلة قائمة على الصوت الواحد، وهي النماذج التي أثبتت التجربة السورية على مدى عقود عدم قدرتها على بناء دولة مستقرة أو عادلة.
إن تنظيم مهنة الإعلام يجب أن يتم في إطار واضح يتوافق مع المحددات التي أرساها الإعلان الدستوري المؤقت، وبما يضمن عدم المساس على الإطلاق بالحريات والحقوق التي شكّلت جوهر المطالب الشعبية في ثورة الياسمين. فالتنظيم لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة تقييد، بل يجب أن يكون أداة لحماية حرية الإعلام وتعزيزها ضمن دولة القانون.
لا يمكن تصور جمهورية حديثة دون إعلام حر ومستقل. فالإعلام ليس خصمًا للدولة، بل شريك في بناء الشفافية والمساءلة. وتقييد عمله، أو دفع العاملين فيه إلى الصمت خوفًا من الملاحقة، يعني إضعاف أحد أهم أدوات الرقابة المجتمعية.
وعليه، فإن تنظيم العمل الإعلامي يجب أن يكون في إطار داعم، يهدف إلى تعزيز المهنية، لا إلى فرض القيود. كما أن أي حديث عن تجاوزات — كخطاب الكراهية أو التحريض — يجب أن يُعالج ضمن قوانين واضحة ومحددة، تُطبّق بعدالة، لا أن يُستخدم كذريعة لتوسيع نطاق القمع أو التضييق.
إن “سوريا الجديدة” التي يطمح إليها السوريون ليست مجرد تغيير في البنية السياسية، بل هي انتقال إلى منظومة قيم جديدة، يكون فيها الإنسان وحقوقه في صدارة الأولويات.
وحرية الرأي والتعبير، في هذا الإطار، ليست فقط حقًا فرديًا، بل هي شرط أساسي لأي حياة سياسية صحية، وأداة لضمان المشاركة، ومؤشر على جدية التحول الديمقراطي.
إن حماية حرية التعبير ليست ترفًا سياسيًا، بل ضرورة دستورية وأخلاقية. وهي، في سياق المرحلة الانتقالية، تمثل الاختبار الحقيقي لصدق الالتزام ببناء دولة القانون.
لذلك، يجب أن تبقى هذه الحرية خطًا أحمر، لا يُسمح بتجاوزه، ولا بتقييده عبر أدوات مباشرة أو غير مباشرة، بما في ذلك التوسع غير المبرر في الملاحقة القضائية.
فالدول تُبنى بالقانون، لكنّها تستمر بالحرية. وسوريا الجديدة لن تكون كذلك، إلا إذا كانت حرية التعبير فيها مصانة، محمية، وممارسة دون خوف.







