حزب غد الثورةمصرملفات وتقارير

بيان غد الثورة: رؤيتنا للتأمين الصحي 2026–2030… الأزمة والحل

يطرح حزب غد الثورة الليبرالي المصري هذه الرؤية بوصفها قراءة نقدية متكاملة لمسار التأمين_الصحي في مصر، لا تنطلق من إنكار ما تحقق، ولا تتوقف عند حدود التبرير الرسمي، بل تسعى إلى الربط الصريح بين الأزمة القائمة والحلول الممكنة خلال الفترة 2026–2030، في إطار التزام دستوري غائب، وعدالة اجتماعية مؤجلة، وخدمة صحية لم تعد تواكب احتياجات المواطنين.

تكشف قراءة الواقع أن المشكلة ليست في فكرة النظام، بل في فجوة التنفيذ؛ نظام توسّع إداريًا دون أن يوازيه توسّع مالي أو بشري أو جغرافي عادل، فصار لدينا مظلة تأمين صحي تتسع على الورق، بينما تضيق في التطبيق، وتتعثر أمام ضغط الواقع اليومي للمرضى والأطباء معًا.

تشير المادة (18) من الدستور المصري إلى أن الدولة تلتزم بتخصيص ما لا يقل عن 3% من الناتج القومي للصحة، وهو التزام لم يتحقق بصورة فعلية، ما انعكس مباشرة على مستوى الخدمة، حيث أصبح المواطن يتحمل الجزء الأكبر من تكلفة العلاج، وتحوّل الحق في الصحة إلى عبء مالي شخصي، بدلًا من كونه ضمانًا اجتماعيًا.

الأزمة في جوهرها ثلاثية الأبعاد:
أولها نقص التمويل الحقيقي مقارنة بالاحتياجات الفعلية،
وثانيها خلل التوزيع الجغرافي للخدمات،
وثالثها نزيف الكفاءات الطبية نتيجة ضعف بيئة العمل.
هذه الثلاثية تُنتج واقعًا صحيًا يختبر فيه المواطن قدرته على الدفع قبل حقه في العلاج.

تتجلى مظاهر الخلل في مشاهد يومية: مريض ينتقل بين أكثر من جهة للحصول على خدمة واحدة، دواء غير متوفر داخل المنظومة فيُشترى من الخارج، قوائم انتظار طويلة، وحدات صحية بلا تخصصات، ومستشفيات عامة تعمل فوق طاقتها، وأطباء يهاجرون أو ينسحبون من الخدمة العامة. هذه ليست استثناءات، بل مؤشرات على خلل هيكلي.

في المقابل، تقدم تجارب دولية نماذج قابلة للاستلهام؛
نموذج NHS England في المملكة المتحدة يقوم على التمويل العام والرعاية الأولية القوية،
ونموذج تركيا الذي أعاد بناء النظام عبر طب الأسرة والتحول الرقمي،
ونموذج تايلاند الذي نجح في تحقيق تغطية صحية واسعة بتكلفة أقل عبر إدارة عادلة للموارد.
القاسم المشترك في هذه التجارب هو: التمويل الكافي، الإدارة الرشيدة، والمساءلة المستمرة.

بناءً على هذا التشخيص، يقدم الحزب رؤيته الإصلاحية للفترة 2026–2030، عبر عشرة محاور تمثل خريطة طريق متكاملة:

أولًا: الالتزام الكامل بالنسبة الدستورية للإنفاق على الصحة، وربطها بالناتج القومي وليس بالإنفاق العام فقط، مع شفافية كاملة في عرض الأرقام.

ثانيًا: إعادة هيكلة النظام الصحي ليبدأ من الرعاية الأولية وطب الأسرة بوصفه المدخل الطبيعي للخدمة الصحية.

ثالثًا: خفض الإنفاق المباشر من جيوب المواطنين تدريجيًا، عبر توسيع نطاق التغطية الفعلية للخدمات والأدوية.

رابعًا: إطلاق برنامج وطني للاحتفاظ بالأطباء، يتضمن تحسين الأجور، وتوفير بيئة عمل عادلة وآمنة.

خامسًا: بناء نظام رقمي موحد يربط كل مستويات الخدمة الصحية، ويضمن سرعة الإحالة ودقة التشخيص.

سادسًا: إعلان مؤشرات أداء شهرية لكل محافظة، تشمل جودة الخدمة، ومدد الانتظار، ونسب رضا المرضى.

سابعًا: تحقيق العدالة الجغرافية في توزيع الخدمات، بحيث لا تبقى المناطق الطرفية خارج الخدمة الفعلية.

ثامنًا: إنشاء آلية مستقلة لتلقي شكاوى المرضى ومتابعتها، مع صلاحيات إلزامية في التصحيح.

تاسعًا: تنظيم الشراكة مع القطاع الخاص وفق قواعد واضحة تمنع الاحتكار وتضمن الجودة والسعر العادل.

عاشرًا: الربط بين إصلاح الصحة وإصلاح التعليم، خصوصًا التعليم الطبي، لضمان استدامة الكفاءة البشرية.

يؤكد الحزب أن العنوان الذي نطرحه اليوم — “الأزمة والحل” — ليس شعارًا بل معادلة؛ فكل أزمة لها جذور في السياسات، وكل حل يبدأ بالاعتراف بهذه الجذور، ثم إعادة ترتيب الأولويات على أساس حق المواطن لا مصلحة الإدارة.

مصر لا تعاني نقصًا في الأطباء بقدر ما تعاني نقصًا في إدارة هذا المورد، ولا تعاني ضعفًا في الإمكانيات بقدر ما تعاني سوء توزيعها، ولا تعاني غياب الرؤية بقدر ما تعاني غياب الإرادة في تحويل النصوص إلى واقع.

بناء نظام تأمين صحي عادل خلال الفترة 2026–2030 ليس ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وطنية؛ لأن الدولة التي لا تضمن صحة مواطنيها، لا تستطيع أن تضمن استقرارها، ولا مستقبلها.

لذلك يعلن حزب غد الثورة الليبرالي المصري أن هذه الرؤية تمثل التزامًا سياسيًا واضحًا:
إعادة الحق في الصحة إلى أصله… حقًا دستوريًا، لا خدمة مشروطة، ولا عبئًا فرديًا.

حزب غد الثورة الليبرالي المصري
د. أيمن نور
رئيس الحزب
٢٧ مارس ٢٠٢٦

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى