
في خطابه الأخير، رفع دونالد ترامب سقف التهديد إلى حدّه الأقصى، متعهداً بمواصلة الحرب حتى تحقيق الأهداف، رغم إقراره الضمني بأن جزءاً كبيراً منها قد تحقق. هذا التناقض الظاهري ليس تفصيلاً لغوياً، بل مفتاح قراءة لمرحلة سياسية معقّدة: مرحلة يُستبدل فيها التقدّم الميداني بخطاب تصعيدي، ويُعوَّض غياب الحسم بلغة القوة.
السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم ليس: ماذا يريد ترامب؟ بل: مع مَن سيتّفق ترامب؟
خطاب مرتفع… وواقع متعثر
اللغة التي استخدمها ترامب، بما فيها التهديد بإعادة إيران إلى “العصر الحجري”، ليست جديدة في القاموس السياسي الأميركي أو الإسرائيلي. لكنها غالباً ما تظهر في لحظات محددة: حين يتعذّر تحقيق نصر سريع، ويتحوّل الصراع إلى استنزاف مفتوح.
هنا، يصبح التصعيد اللفظي أداة سياسية لتعويض الإخفاق العسكري أو لتأجيل الاعتراف به. فالحروب التي تُحسم ميدانياً لا تحتاج إلى هذا القدر من التهديد، بل إلى تثبيت الوقائع الجديدة. أما حين يغيب الحسم، فإن اللغة تتقدّم على الوقائع.
تزامن لافت: الخطاب والإخفاق
لا يمكن فصل خطاب ترامب عن السياق الأوسع، حيث تتزايد المؤشرات على تعثّر القدرة على فرض نتائج حاسمة في الميدان. هذا التعثّر لا يعني هزيمة مباشرة، لكنه يكفي لخلق حالة من الانسداد العملياتي: لا نصر واضح، ولا انسحاب ممكن، ولا تسوية جاهزة.
في هذه المنطقة الرمادية، يُعاد إنتاج الخطاب السياسي كأداة ضغط، لا كترجمة لإنجاز.
بنيامين نتنياهو: الإصرار على القتال
بالتوازي، يظهر إصرار واضح لدى نتنياهو على مواصلة القتال، حتى في ظل الكلفة المرتفعة وتراجع احتمالات الحسم السريع. هذا الإصرار ليس فقط خياراً عسكرياً، بل هو أيضاً حاجة سياسية داخلية: الهروب إلى الأمام لتجنّب الاستحقاقات، إعادة ترتيب التوازنات الداخلية عبر استمرار المواجهة، وربط المصير السياسي بمسار الحرب.
وهنا تتقاطع حسابات نتنياهو مع خطاب ترامب، لكن من دون أن تتطابق أهدافهما بالكامل. فواشنطن قد تبحث عن اتفاق بشروطها، فيما تل أبيب قد ترى في استمرار الحرب ضرورة وجودية أو سياسية.
معضلة التفاوض: غياب الشريك أم غياب الإرادة؟
الحديث عن اتفاق يفترض وجود قنوات تواصل، وأطراف قادرة على التفاوض، وبيئة تسمح بالتسوية. لكن في ظل التصعيد المستمر، تتآكل هذه العناصر تدريجياً.
كلما ارتفع منسوب النار، تراجعت فرص السياسة.
وهنا يصبح السؤال أكثر حدّة: هل المشكلة في غياب الشريك؟ أم في أن شروط الاتفاق نفسها لم تعد قابلة للحياة؟
التصعيد كبديل عن الحل
التجارب في المنطقة تُظهر أن استهداف البنى التحتية، أو التلويح بتدمير شامل، لا يشكّل بحد ذاته مؤشراً على اقتراب النصر. بل على العكس، قد يكون دليلاً على انتقال الصراع إلى مرحلة كسر الإرادة بدل حسم الميدان.
وهذا النوع من الحروب يطول زمنه، وتتسع كلفته، وتضيق فيه فرص التسوية السريعة.
خطاب ترامب لا يمكن قراءته بمعزل عن واقع ميداني متعثر، ولا عن إصرار إسرائيلي على مواصلة القتال مهما بلغت الكلفة. وبين خطاب مرتفع وساحة معقّدة، يتراجع السؤال عن “متى ينتهي الصراع؟” ليحل مكانه سؤال أكثر واقعية: مع مَن سيتّفق ترامب؟
في ظل غياب إجابة واضحة، يبدو أن التصعيد ليس مقدمة للحل، بل بديلاً عنه… على الأقل في المدى المنظور.





