
مقياس النصر في أي حرب هو القدرة على تحقيق الأهداف، وفي هذا الخطاب يقر ترامب بفشله في تحقيق أهم أهداف هذه الحرب
قراءة متبصرة في خطاب ترامب هذا الفجر تكشف أنه في جوهره خطاب الإقرار بهزيمة العدوان على
إيران، وهي هزيمة لا يكفي لإخفائها تصاعد دخان الدمار الحقيقي ولا صخب ادعاء النصر الزائف .
لماذا هو خطاب إقرار بالهزيمة؟
لأن مقياس النصر في أي حرب هو القدرة على تحقيق الأهداف، وفي هذا الخطاب يقر ترامب بفشله في تحقيق أهم أهداف هذه الحرب.
هدف إسقاط النظام الإيراني
كان الهدف الأول والأهم للعدوان الصهيوني الأمريكي هو إسقاط النظام في إيران.
في هذا الخطاب، تخلى ترامب عن هذا الهدف ولعق كل ما قاله من قبل خصوصاً في خطاب إعلان الحرب منذ أكثر من شهر حين دعا الإيرانيين لانتهاز الفرصة والاستيلاء على السلطة التي توهم سقوطها باستشهاد المرشد، وصل به الأمر أن اشترط أن يتولى هو بنفسه اختيار المرشد الجديد .
أية مقارنة بين خطاب بدء الحرب وخطاب هذا الفجر تكشف أن ترامب قد لعق تصريحاته المتعجرفة وتخلى عن هدف إسقاط النظام.
ولكي يسوغ هذه الهزيمة، ادعى أن النظام قد تغير فعلاً!!!
هذا إفك لا يجترئ عليه إلا من كان لديه قدرة ترامب على توظيف ترسانته الشخصية من الكذب والتوهم والاستهبال لاختلاق تسويغ مكشوف.
ليس فقط لعجزه بل لتخليه عن الهدف الأول لحربه ، ثم هاهو يمعن في الإنكار فيقول كاذبا ان إسقاط النظام في إيران لم يكن هدفا لحربه !!
فتح مضيق هرمز هدف الحرب الثاني
الهدف الثاني لم يسبق الحرب بل تولد من صيرورتها ومن ثبات الصمود وفعالية الردع الإيراني؛ وهو فتح مضيق هرمز .
تأمل الفارق الشاسع ، بل التناقض ، بين اشتراط ترامب الصارم فتح مضيق هرمز، وأنه لن يسمح بإيقاف الحرب قبل أن يُفتح، أو أنه سيفتحه بالقوة، أو أنه سيرافق بمدمراته ناقلات البترول لتعبر رغماً عن إيران.
وانه في غنى عن حلفائه الجبناء الذين تقاعسوا عن مشاركته في فتح المضيق وسيتولى المهمة بنفسه مكتفيا بقوة جيشه الأقوى في العالم.
بين خطاب فجر اليوم الذي ابتلع فيه كل هذا الوعيد والتهديد وانتقل نقلة كاريكاتورية إلى أن مضيق هرمز سيفتح طبيعيا بعد توقف الحرب وأن أمريكا لا تحتاج إليه باعتبار اكتفائها من النفط.
في وضوح كاشف يدعو المستفيدين من فتح مضيق هرمز لأن يؤدوا الدور الذي تخلى عنه.
هذا التخلي عن هدف فتح المضيق هو إقرار بالهزيمة.
لنا هنا أن ننتبه وننبه ، فمطالبة ترامب للمستفيدين من المضيق أن يتحملوا عبء فتحه بأنفسهم (وقد يقدم لهم المساعدة)
لايعني فقط وبالدرجة الأولى حلفاءه مستهلكي النفط في أوروبا الأكثر تضرراً من إغلاق المضيق وأزمة الطاقة في العالم وارتفاع الأسعار، بل يساهم في تعميق للشق الذي يكاد يعصف بالحلف الأوروبي الأمريكي وبالناتو كمنظمة.
لكنه لا يقتصر على هؤلاء، لأن المستفيدين من فتح هرمز ليسوا مستهلكو النفط وحدهم بل أيضاً منتجوه، أي دول الخليج العربي.
هذا يعني أن ترامب يتخلى عن حلفائه في الخليج بنفس القدر عن تخليه عن حلفائه في أوروبا.
وهذه ليست معاملة حلفاء، إنها معاملة أتباع يُستخدمون لتحقيق الصالح الأمريكي، ثم يتم التخلي عنهم عندما تعجز القوة الأمريكية عن حمايتهم من الأضرارالتي تسببت فيها.
لم يحقق أهدافه .. أقرار بالهزيمة
تخلي ترامب في هذا الخطاب عن هذين الهدفين (إسقاط النظام في إيران وفتح مضيق هرمز) هو إقرار بهزيمته.
دعك مما هو معروف سلفاً من أنه لا يستطيع إكراه إيران على التخلي عن برنامجها النووي السلمي.
وأنه في هذا الخطاب لم يأتِ على ذكر تهديداته التي يقرع طبولها بالإنزال أو الإبرار لجنوده إما على “خَرْج” أو على المضيق.
أو للاستحواذ على اليورانيوم المخصب. فكل هذا يعني أن الرجل لا يتمسك على أي نحو بأي من أهدافه المعلنة بل يلعقها ويتناساها.
ما تبقى من الخطاب هو مزيد من التكرار عن المزيد من الدمار الذي ألحقه بإيران .
وهو دمار بالفعل عظيم، لكن الأعظم منه هو قدرة إيران على تحمله ومواصلة صمودها من ناحية، وكفاءة ردعها من ناحية أخرى.
كما يظهر لنا في الصواريخ التي لا زالت تنهمر على الكيان الصهيوني
إذا كان ترامب – كما توسع في خطابه – قد ألحق كل هذا الدمار بإيران، فلماذا يردفه بالحاجة إلى أسبوعين أو ثلاثة لمواصلة نفس الدمار رغم عجزه عن تحقيق نفس الأهداف؟
إنها حماقة القوة وغرورها وجهلها واستهبالها التي تفضح
ليس هذا الرجل المجنون وحده بل أمريكا كلها، باعتبارها آلة قتل قادرة على نشر الخراب عاجزة عن تحقيق النصر، وهذا هو معنى الغضب الملحمي أو بالأحرى الهبل الملحمي.







