تحولات موازين القوى في القارة السمراء عقب بناء مصنع أسمدة عملاق في إثيوبيا بشراكة صينية

تتصدر التحركات الإثيوبية الأخيرة المشهد الاقتصادي في منطقة حوض النيل والقرن الأفريقي بشكل يفرض واقعا جديدا على خارطة الصناعات الاستراتيجية، حيث أعلنت الحكومة في أديس أبابا خلال أغسطس من عام ألفين وخمسة وعشرين عن تدشين مشروع صناعي ضخم يهدف إلى قلب موازين القوى في سوق المغذيات الزراعية، ويأتي بناء مصنع أسمدة عملاق في إثيوبيا بتمويل واستثمار أجنبي كخطوة تهدف إلى كسر احتكار القوى الكبرى في شمال القارة لهذه السلعة الحيوية، وتعد هذه الخطوة بمثابة تحول جذري من الاعتماد على الاستيراد إلى مرحلة الهيمنة الإنتاجية في تكتل الكوميسا ،
تستهدف إثيوبيا من خلال هذا المجمع الصناعي الذي تبلغ تكلفته الإجمالية نحو مليارين ونصف مليار دولار تحقيق قفزة نوعية في الناتج المحلي الإجمالي، ويقع المشروع في منطقة أوغادين الاستراتيجية القريبة من الحدود مع إقليم الصومال لضمان القرب من مكامن الغاز الطبيعي المكتشفة، ويسعى مصنع أسمدة عملاق في إثيوبيا إلى استغلال الموارد الطبيعية المحلية لتقليل الضغط على العملة الصعبة وتوفير احتياجات المزارعين بأسعار تنافسية، ويمثل هذا التوجه السياسي والاقتصادي تحديا واضحا للمكانة اللوجستية والإنتاجية التي تتمتع بها مصر كخامس أكبر مصدر عالمي لمادة اليوريا ،
تطلعات إثيوبيا للسيطرة على سوق الكوميسا
تتجه الأنظار نحو القدرات الإنتاجية الفائقة التي سيوفرها هذا المجمع الضخم حيث تشير البيانات إلى استهداف إنتاج ثلاثة ملايين طن متري سنويا، وبمقارنة هذه الأرقام مع معدلات الاستهلاك المحلي التي بلغت نحو مليون ومائتي ألف طن في عام ألفين وثلاثة وعشرين يتضح حجم الفائض الضخم، وسوف يساهم مصنع أسمدة عملاق في إثيوبيا في توفير نحو مليون وثمانمائة ألف طن للتصدير الخارجي سنويا، وهو ما يتجاوز المتطلبات الاستهلاكية لدول الجوار مثل جيبوتي وإريتريا والصومال مجتمعة مما يحول أديس أبابا إلى مركز إقليمي لمستلزمات الإنتاج الزراعي ،
تعتمد هيكلية ملكية هذا المشروع على شراكة استراتيجية مع مجموعة دانغوت الصينية التي تسيطر على نسبة ستين بالمائة من الأسهم الإجمالية للمصنع، بينما تحتفظ شركة الاستثمار الإثيوبية القابضة بنسبة أربعين بالمائة المتبقية لضمان السيادة الوطنية على هذا القطاع الحيوي والمؤثر، ويمثل وجود مصنع أسمدة عملاق في إثيوبيا بتمويل صيني تحولا في التحالفات الجيوسياسية والاقتصادية بمنطقة شرق أفريقيا، حيث تسعى بكين لتعزيز نفوذها الصناعي من خلال السيطرة على خطوط إمداد الأسمدة واليوريا في القارة السمراء بعيدا عن المسارات التقليدية المعروفة ،
تفرض هذه المعطيات الجديدة واقعا يتسم بالندية في الأسواق الأفريقية خاصة مع رغبة إثيوبيا في استثمار مواردها الغازية لتشغيل المجمع الصناعي بكفاءة، ويعد مصنع أسمدة عملاق في إثيوبيا جزءا من استراتيجية شاملة تهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل والانتقال لمرحلة التصدير الفائق لدول الجوار الإقليمي، وتراقب الدوائر الاقتصادية مدى تأثير هذا الفائض الإنتاجي على حصص مصر التصديرية في الأسواق التقليدية داخل القارة، خاصة وأن المشروع يستهدف أسواقا كانت تعتمد بشكل كلي على الصادرات المصرية من اليوريا والأسمدة الفوسفاتية ،







