
في مساءٍ ثقيل من ربيع دمشق، كان الهواء في مدينة دوما، إحدى مدن الغوطة الشرقية، أثقل من أن يُستنشق. لم يكن ذلك مجرد يوم آخر في حربٍ طاحنة، بل لحظة ستُحفر في ذاكرة العالم بوصفها واحدة من أكثر الجرائم فظاعة في النزاع السوري. في السابع من نيسان/أبريل 2018، تحوّلت أقبية المنازل إلى ملاجئ موت، وامتلأت الممرات بأجساد أطفال ونساء اختنقوا بصمت تحت وطأة سلاح لا يُرى.
لم تكن تلك المشاهد مجرد صور صادمة، بل أدلة على جريمة يُحرّمها القانون الدولي بشكل قاطع. استخدام الأسلحة الكيميائية، كما يعرّفه نظام نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في مادته الثامنة، يُصنّف كجريمة حرب، وقد يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية إذا كان جزءًا من هجوم واسع النطاق أو منهجي ضد المدنيين. وهو الحظر ذاته الذي كرّسته اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية لعام 1993، والتي تُشرف على تنفيذها منظمة منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.
منذ تلك الليلة، لم تتوقف محاولات كشف الحقيقة. أرسلت المنظمة بعثات تقصّي الحقائق، وأصدرت تقارير خلصت إلى وجود “أسباب معقولة” للاعتقاد باستخدام مواد كيميائية سامة في دوما. لم تكن هذه التقارير أحكامًا قضائية، لكنها شكّلت حجر الأساس لمسار طويل من المساءلة. وفي موازاة ذلك، واصل فريق التحقيق التابع للأمم المتحدة، بما في ذلك الآلية الدولية المحايدة والمستقلة، جمع الأدلة وتوثيق الشهادات، في محاولة لبناء ملفات قانونية يمكن استخدامها أمام المحاكم.
لكن الطريق إلى العدالة الدولية لم يكن مستقيمًا. فـ مجلس الأمن الدولي، الذي يُفترض أن يحيل مثل هذه الجرائم إلى المحكمة الجنائية الدولية، بقي مشلولًا بفعل الانقسامات السياسية وحق النقض. وهكذا، تحوّلت العدالة من مسار دولي مركزي إلى مسارات متفرقة، تقودها دول منفردة ومحاكم وطنية.
في السنوات التي تلت الهجوم، بدأت أوروبا تلعب دورًا متقدمًا في هذا المجال. في ألمانيا، استخدم الادعاء العام مبدأ “الولاية القضائية العالمية”، وهو مبدأ يسمح بمحاكمة مرتكبي الجرائم الدولية بغض النظر عن مكان وقوعها، استنادًا إلى القانون الدولي. وقد استندت هذه المحاكمات إلى تشريعات وطنية خاصة بالجرائم الدولية، في محاولة لمحاسبة مسؤولين عن انتهاكات جسيمة، بما في ذلك استخدام الأسلحة المحظورة.
المسار ذاته اتبعته فرنسا والسويد، حيث فتحت تحقيقات في جرائم مرتبطة بالهجمات الكيميائية في سوريا، معتمدة على شهادات لاجئين ووثائق وأدلة جمعتها منظمات حقوقية. لم تكن هذه القضايا سهلة، لكنها مثّلت تحولًا مهمًا: العدالة لم تعد رهينة الجغرافيا أو التوازنات السياسية الدولية، بل باتت ممكنة عبر القضاء الوطني.
في موازاة ذلك، برز السعي نحو مسار قانوني آخر عبر محكمة العدل الدولية، فيما تتعلق بانتهاك سوريا لالتزاماتها بموجب اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية. هذا المسار لا يستهدف أفرادًا، بل مسؤولية الدولة نفسها، وهو ما يفتح بابًا مختلفًا للمساءلة، قائمًا على قواعد القانون الدولي العام.
ورغم تعدد هذه المسارات، تبقى الحقيقة الأكثر إيلامًا أن العدالة لم تكتمل بعد. فمرتكبو الجرائم الكبرى ما زالوا خارج نطاق المحاسبة المباشرة، فيما يعيش الناجون بذاكرة مثقلة لا تهدأ.
إن استذكار دوما اليوم ليس مجرد فعل رمزي، بل تذكير بأن الجرائم التي تُرتكب بحق المدنيين، وخاصة باستخدام أسلحة محظورة دوليًا، لا يمكن أن تُطوى بمرور الزمن. العدالة، وإن تأخرت، تظل حقًا لا يسقط بالتقادم، كما أن الإفلات من العقاب ليس خيارًا يمكن للعالم أن يقبله دون أن يدفع ثمنه لاحقًا.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بسوريا وحدها، بل بمبدأ إنساني عالمي: إذا لم تُحاسب الجرائم الأكثر فظاعة، فإن القاعدة التي تحمي الإنسانية نفسها تبدأ بالتآكل. وبين ذاكرة الضحايا في دوما، يبقى السؤال مفتوحًا — ليس عمّا حدث، بل عمّا سيفعله العالم حياله






