الدكتور أيمن نور يكتب: لا أحد انتصر ولا أحد هُزم.. وحدها المنطقة دفعت الثمن

وجوهُ الأمهات في ليالي القلق لا تُخطئ قراءة الحقيقة. عيونٌ لم تنم، وقلوبٌ ظلت معلّقة بين خبرٍ عاجلٍ وصوتِ انفجارٍ بعيد، كانت تدرك قبل البيانات أن الحرب لا تُنتج منتصرين، وأن ما يُقال في العواصم لا يُشبه ما يُعاش في البيوت. تلك الوجوه وحدها كانت تعرف أن كل رصاصةٍ لها صدى في قلبٍ ما، وأن كل قرارٍ كبير يترك أثره في تفاصيل حياةٍ صغيرة.
إعلان وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران جاء كهدنةٍ تحتاجها الأرض قبل السياسة، وكاستراحةٍ فرضها الإنهاك قبل أن تفرضها الحسابات. غير أن المشهد لم يحمل رواية واحدة، بل روايتين متقابلتين، كلٌّ منهما تُعلن النصر، وكأن الحقيقة لم تعد سوى وجهة نظر.
البيان الأمريكي تحدث عن تفوقٍ عسكري مهّد للتفاوض، بينما رأت طهران في الاتفاق انتصارًا فرض شروطها. هكذا لم تنتهِ الحرب، بل تغيّر شكلها، وانتقلت من ميادين القتال إلى ميادين السرد، حيث تُخاض معركة أخرى حول من يملك حق تفسير ما جرى.
خلف هذا التبادل في إعلان الانتصار، تقف حقيقة أكثر صلابة: حربٌ امتدت لأسابيع، خلّفت آلاف الضحايا، وامتدت آثارها إلى أكثر من عشر دول، لم تُحسم بقدر ما استُنزفت. التراجع لم يكن خيارًا بطوليًا، لكنه كان الضرورة التي فرضها ثقل الكلفة، وإن غُلّف بلغة الانتصار.
الوساطة التي تحركت عبر باكستان وتركيا ومصر والمملكة العربية السعودية، لم تكن مجرد جهدٍ دبلوماسي عابر، بل تعبيرًا عن إرادة إقليمية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. هذا التنسيق الرباعي، بما يحمله من ثقلٍ سياسي وتوازنٍ في العلاقات، نجح في فتح نافذة للحوار في لحظةٍ كادت تُغلق فيها كل النوافذ، وأعاد الاعتبار لفكرة أن الإقليم قادر، حين تتوافر الإرادة، على أن يكون جزءًا من الحل لا ساحةً للصراع.
قرار وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، المشروط بإعادة فتح مضيق هرمز، يكشف أن جوهر الصراع لم يكن عسكريًا فقط، بل اقتصاديًا بالدرجة الأولى. فالممر الذي يعبره خُمس نفط العالم، لم يكن مجرد جغرافيا، بل كان قلب المعادلة، حيث تتقاطع المصالح الكبرى وتُرسم حدود القوة.
الموقف من الخليج لا يحتمل لبسًا. الاعتداءات التي تعرّضت لها دول مجلس التعاون، بما حملته من تهديد مباشر للأمن والاستقرار، تفرض تضامنًا كاملاً لا يقبل المساومة، لأن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من أمن المنطقة، وأي مساس به هو مساس بالتوازن الإقليمي كله.
في المقابل، لا يمكن القفز فوق حقيقة أخرى لا تقل وضوحًا. الضربات التي استهدفت الداخل الإيراني، وما صاحبها من تهديدات بتدمير واسع للبنية التحتية، تمثل انتهاكًا صارخًا لمبادئ القانون الدولي، وتستوجب إدانة كاملة، لأن منطق القوة حين ينفلت من قيوده، يفتح أبوابًا يصعب إغلاقها.
لبنان، الذي ظل لسنوات ساحةً مفتوحة للأزمات، لم يكن بعيدًا عن هذا المشهد. ما تعرّض له من عدوان متواصل ودمارٍ واسع، يفرض أن تكون أي تهدئة شاملة، لا انتقائية، وأن يشمله الاتفاق كما طُرح، لأن استثناءه من معادلة الاستقرار يعني الإبقاء على جرحٍ مفتوح في جسد المنطقة.
الأسواق العالمية التقطت الإشارة سريعًا. تراجعت أسعار النفط، وارتفعت الأسهم، وكأن الاقتصاد الدولي أعلن ارتياحه المؤقت، لا انتصارًا لأحد، بل خوفًا من استمرار الانفجار. ذلك الارتياح نفسه يكشف هشاشة اللحظة، ويؤكد أن الاستقرار الذي بُني على هدنة مؤقتة، يظل مهددًا بالانهيار.
التحول المفاجئ من التصعيد إلى التهدئة لم يكن بعيدًا عن ضغوط الداخل في أكثر من عاصمة. رأي عام متعب، واقتصادات قلقة، وانتخابات تقترب، كلها عوامل دفعت نحو كبح الاندفاع، والبحث عن مخرجٍ أقل كلفة، حتى وإن بدا في الخطاب العام وكأنه انتصار.
ما جرى يؤكد أن الدبلوماسية لا تموت، بل تتراجع إلى الظل، ثم تعود حين تصل الحروب إلى حدودها القصوى. الاتفاق لم يكن انتصارًا كاملاً للدبلوماسية، لكنه كان اعترافًا بالحاجة إليها، وبأن البديل أكثر كلفةً مما يمكن احتماله.
رغم الهدنة، لم يتوقف القلق. أصوات الصواريخ التي لم تخمد تمامًا، والشكوك التي لم تتبدد، تذكّر بأن ما تحقق ليس سلامًا، بل استراحة مؤقتة، وأن المنطقة لا تزال تقف على حافة احتمالات مفتوحة.
أخطر ما في المشهد، ليس الحرب ذاتها، بل الاعتياد عليها. مع تكرار الأزمات، يصبح غير المقبول مقبولًا، ويتراجع الإحساس بالخطر، حتى يتكيف العالم مع واقعٍ كان يرفضه بالأمس القريب.
اقول بوضوح : لم يخرج أحد منتصرًا كما يُقال، ولم يُهزم أحد كما يُروَّج. الخسارة كانت أوسع من أن تُنسب لطرف، لكنها كانت أعمق مما يُعترف به.
وحدها المنطقة دفعت الثمن… دمًا واقتصادًا واستقرارًا. وحدها شعوبها حملت عبء الخوف والانتظار. أما الباقون، فاكتفوا بكتابة بيانات النصر… ثم طيّ الصفحة، وكأن شيئًا لم يكن.













