مقالات وآراء

مصباح العلي يكتب: فعلها ترامب: هدنة تكتيكية أم إعادة رسم للنظام الدولي؟

 

فجأة، ودون سابق إنذار، أوقف دونالد ترامب مسار التصعيد، لا كمن أنهى صراعاً، بل كمن أعاد ضبط إيقاعه. القرار لم يكن انعكاساً لتسوية ناضجة، بل تعبيراً عن لحظة إدراك: أن الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة في الشرق الأوسط لم يعد خياراً منخفض الكلفة في ظل التحولات الكبرى في النظام الدولي.

الإدارة الأميركية تحاول الاحتواء، لكنها في العمق تعيد تعريف أولوياتها. فواشنطن، التي أنهكتها حروب الاستنزاف، لم تعد ترى الشرق الأوسط كساحة مركزية، بل كجبهة يجب إدارتها بأقل قدر ممكن من الانخراط المباشر. الهدف لم يعد الحسم، بل منع الانفجار الكبير، وتأجيله إن أمكن.

في المقابل، تعيد إسرائيل التموضع ضمن معادلة أكثر تعقيداً. فهي تدرك أن هامش الحركة لم يعد مفتوحاً كما في السابق، وأن أي تصعيد واسع قد يخرج عن السيطرة، خاصة مع تزايد تداخل الساحات وتعدد الفاعلين. لذلك، تميل إلى تثبيت مكاسبها المرحلية، مع الحفاظ على قدرة الردع دون الذهاب إلى مغامرة شاملة.

أما إيران، فتواصل استراتيجية “امتصاص الضربات” وتفكيكها زمنياً. طهران لا تبحث عن مواجهة مباشرة، بل عن تثبيت معادلة ردع مرنة، قائمة على تعدد الأدوات والساحات. هي تدرك أن الوقت يعمل لصالحها في ظل تآكل الإرادة الأميركية للانخراط العسكري المباشر.

لكن ما يجعل هذه اللحظة مختلفة، ليس فقط سلوك الأطراف الإقليمية، بل حضور القوى الكبرى في خلفية المشهد.

تراقب الصين التطورات بعين باردة، لكنها ليست محايدة. بكين ترى في أي فوضى غير منضبطة تهديداً لمصالحها الاقتصادية، خصوصاً في ما يتعلق بأمن الطاقة وسلاسل الإمداد. لذلك، تدفع نحو الاستقرار، ولكن ليس عبر الهيمنة العسكرية، بل من خلال توسيع نفوذها الاقتصادي والدبلوماسي. الشرق الأوسط بالنسبة لها ليس ساحة صراع، بل عقدة في مشروع أوسع لإعادة تشكيل طرق التجارة العالمية.

في المقابل، تنظر روسيا إلى المنطقة كجزء من معركة كبرى مع الغرب. موسكو، التي أعادت تثبيت حضورها منذ تدخلها في سوريا، تسعى إلى استثمار أي فراغ أميركي لتعزيز نفوذها. لكنها، في الوقت نفسه، حريصة على عدم الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع واشنطن. استراتيجيتها تقوم على إدارة التوازنات، لا كسرها، وعلى لعب دور “الضابط” الذي يملك قنوات اتصال مع جميع الأطراف.

هنا، يتقاطع المشهد:
الولايات المتحدة تريد تهدئة تُبقي على نفوذها بأقل كلفة،
الصين تريد استقراراً يضمن تدفق المصالح،
روسيا تريد توازناً يكرّس حضورها كقوة دولية،
بينما تتصرف القوى الإقليمية ضمن هوامش هذا التوازن، لا خارجه.

النتيجة ليست سلاماً، بل ما يمكن تسميته بـ“إدارة الصراع الدولي فوق أرض الشرق الأوسط”.

المعادلة الأعمق لم تتغير:
ميزان القوة لا يزال قائماً على الردع المتبادل،
لكن هذا الردع لم يعد محصوراً بالإقليم، بل أصبح جزءاً من لعبة دولية أوسع.

الشرق الأوسط، في هذه المرحلة، لم يعد مركز القرار، بل ساحة اختبار.
اختبار لقدرة الولايات المتحدة على الانسحاب دون خسارة،
واختبار لطموح الصين في التمدد دون صدام،
واختبار لرهان روسيا على كسر الأحادية القطبية.

ما فعله ترامب لم يكن إنهاءً للتصعيد، بل إدخاله في طور جديد:
طور أكثر هدوءاً في الشكل،
وأكثر تعقيداً في الجوهر.

نحن لسنا أمام نهاية صراع،
بل أمام إعادة توزيع أدوار.

الهدنة الحالية ليست سوى لحظة توازن هش،
قد تطول،
وقد تنكسر عند أول اختبار حقيقي.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى