
في هذا المقال الرابع ضمن سلسلة تحليلية تناولت تحولات الصراع في الشرق الأوسط، ننتقل من توصيف المواجهة إلى قراءة مآلاتها الاستراتيجية، حيث لم تعد النتائج تقاس بمنطق الربح والخسارة التقليدي، بل بمنطق إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية.
في هذه المعادلة الجديدة، تبدو إسرائيل الخاسر الأكبر، وإيران الرابح الأكثر اتزانا، بينما تقف الولايات المتحدة أمام اختبار ثقة غير مسبوق مع حلفائها.
إيران، وعلى خلاف التوقعات، لم تخرج من المواجهة منهكة، بل تسعى إلى إعادة تموضع إقليمي ذكي، عبر فتح قنوات ثنائية مع جيرانها، وتعزيز دور محاور الوساطة ، وتوسيع شبكة علاقاتها بعيدا عن منطق الاستقطاب الحاد، داخليا سيعتمد النظام الإيراني على مزيج براغماتي: مرونة سياسية لتخفيف الضغوط الاقتصادية، مقابل تشديد أمني لضبط الداخل، مع توجه واضح نحو تحالفات دولية قائمة على المصالح لا الأيديولوجيا.
في المقابل، تواجه إسرائيل أزمة ثقة داخلية عميقة فالحكومة، وعلى رأسها بنيامين نتنياهو، تحت ضغط سخط شعبي متصاعد، مع تآكل الثقة في فكرة “إسرائيل الكبرى” نفسها. الحديث عن الهجرة المعاكسة لم يعد ثانويا، بل يعكس إحساسا متزايدا بانعدام الأمن. الأخطر من ذلك، أن الدعم الأمريكي لم يعد “غير مشروط” كما كان، بل أصبح خاضعا لحسابات أكثر تعقيدا.
أما الولايات المتحدة، فقد خرجت من هذه الجولة وهي أقل قدرة على طمأنة حلفائها. اهتزاز الثقة هذا لا يقتصر على الخارج فقط، بل يمتد إلى الداخل الأمريكي نفسه، حيث بدأت تتبلور تدريجيا أصوات سياسية ونخبوية ضاغطة لإعادة النظر في طبيعة العلاقة مع إسرائيل، بما يعكس تحولا بطيئا لكنه متصاعد في المزاج السياسي تجاه كلفة هذا التحالف وحدوده.
هذا التحول، كما أشرنا في المقالات السابقة، لا يعكس مجرد اختلاف في التقدير، بل بداية مراجعة أعمق لدور الولايات المتحدة في المنطقة. وقد يدفع ذلك دول الخليج إلى إعادة تعريف تحالفاتها، عبر تنويع الشراكات الدفاعية، وتعزيز قدراتها العسكرية، وربما تطوير صيغ دفاع مشترك إقليمي أكثر استقلالا.
الملف اللبناني سيظل الأكثر اشتعالا وتعقيدا. فإسرائيل قد ترى في التصعيد جنوب لبنان آخر أوراقها الاستراتيجية لتعويض خسائرها، ما يبقي المنطقة على حافة انفجار دائم، خاصة مع استمرار دعم إيران لمحور المقاومة، الذي يحافظ على قدرته على الضغط والاستنزاف، وهنا يبرز تساؤل جوهري: هل يمكن أن يتحول لبنان إلى ورقة تفاوض في أي مسار تسوية قادم ضمن ترتيبات أوسع مع القوى الدولية؟
في حال نجحت إيران في فرض شروطها في أي اتفاق نهائي، فإن ذلك لن يكون انتصارا تكتيكيا فقط، بل تحولا استراتيجيا سينعكس على سلوك واشنطن نفسها، ويدفعها إلى مقاربة أكثر واقعية لطبيعة المنطقة وتعقيداتها الثقافية والعقائدية. وفي هذا السياق، لا يمكن استبعاد على المدى المتوسط إمكانية نشوء تقارب إيراني-أمريكي محدود ومحكوم بالمصالح، خاصة إذا تلاقت المصالح الأمريكية مع سعي إيران إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية والسياسية.
اللافت للانتباه هو ما بدأ يتشكل بهدوء: محور وساطة إقليمي جديد، تلعب فيه قوى مثل باكستان وعمان أدوارا متقدمة، في مؤشر على صعود نمط مختلف من التحالفات، لا يقوم على الاستقطاب الحاد، بل على إدارة التوازنات وهو الاتجاه الذي مهدت له بوضوح المقالات الثلاثة السابقة في هذه السلسلة.
نحن أمام نهاية تدريجية لسياسة المحاور التقليدية، وبداية مرحلة سيولة استراتيجية، حيث لا أحد يملك انتصارا كاملا، لكن الجميع يعيد التموضع استعدادا لجولة أكثر تعقيدا.
8/4/26







