مقالات وآراء

مصباح العلي يكتب : فشل الجولة الأولى… أم بداية إدارة أزمة؟

فشل الجولة الأولى من المفاوضات لم يكن مفاجئاً، بل كان متوقعاً منذ اللحظة التي جلس فيها الطرفان إلى الطاولة برؤيتين مختلفتين لا تلتقيان. ما جرى لم يكن انهيار مسار دبلوماسي، بل كشف مبكر لحقيقة الصراع: نحن لا أمام خلاف تقني حول السلاح النووي، بل أمام صراع على تعريف “الحق” و”السيادة” و”الأمن”.

في العلن، تبدو المشكلة واضحة: واشنطن تقول إن طهران ترفض تقديم التزام صريح بعدم امتلاك سلاح نووي، فيما تتهم إيران الولايات المتحدة بطرح شروط مفرطة واستخدام الملف النووي كذريعة للمغادرة. لكن خلف هذا السجال، تكمن طبقات أعمق من التعقيد.

القضية لم تعد نووية بحتة. الحديث يدور عن العقوبات، عن حرية الحركة في مضيق هرمز، عن النفوذ الإقليمي، وعن شكل التوازنات في الشرق الأوسط. الملف النووي تحوّل إلى واجهة تفاوض، فيما الجوهر الحقيقي للصراع بقي في مكان آخر.

هنا يبرز التناقض الغربي نفسه. الخطاب الأميركي يتحدث عن “منع إيران من امتلاك سلاح نووي”، وهو مطلب يمكن نظرياً الوصول إليه عبر الرقابة والتفاهم. في المقابل، يذهب الطرح الإسرائيلي أبعد من ذلك، نحو “صفر تخصيب”، أي نزع القدرة بالكامل. الفرق بين المطلبين ليس تفصيلاً تقنياً، بل فجوة استراتيجية. الأول قابل للنقاش، أما الثاني فيعني عملياً مطالبة إيران بالتخلي عن أحد أهم عناصر سيادتها.

ومن هنا، يصبح موقف طهران مفهوماً ضمن منطقها الخاص. إيران قد تناقش مستوى التخصيب، وقد تقدم ضمانات، لكنها لن تتخلى عن حقها في التخصيب السلمي. هذه ليست مجرد ورقة تفاوض، بل مسألة سيادة وهوية سياسية. أي محاولة لفرض هذا التنازل كشرط مسبق كفيلة بتفجير أي مسار تفاوضي.

فشل الجولة الأولى، إذاً، لا يرتبط بتعنت طرف واحد، بل بغياب أرضية مشتركة أصلاً. ما جرى هو جولة جس نبض، رفعت فيها الأطراف سقوفها لاختبار حدود الآخر، لا للوصول إلى اتفاق.

أما السؤال الأهم: إلى أين تتجه الأمور؟

المرجح، في المدى القريب، هو استمرار وقف النار، ليس لأنه يعكس استقراراً حقيقياً، بل لأنه يخدم حاجة جميع الأطراف إلى الوقت. الوقت لإعادة التموضع، ولإعادة ترتيب الأوراق، ولتحديد السقف الواقعي للتفاوض.

بالتوازي، سيستمر المسار غير المباشر. الوسطاء سيحملون الرسائل، والتفاوض سيبقى قائماً لكن من دون طاولة رسمية. هذا النمط ليس جديداً، بل هو القاعدة في مثل هذه الملفات المعقدة.

لكن الخطر يكمن في احتمال التصعيد المحسوب. ضربات محدودة، رسائل عسكرية، أو أحداث ميدانية قد تُستخدم كأدوات ضغط تفاوضي. هنا تحديداً، يصبح الهامش ضيقاً بين إدارة الأزمة والانزلاق إلى مواجهة أوسع.

أما على مستوى المستفيدين، فالصورة أكثر تعقيداً مما تبدو عليه. صحيح أن انهيار المسار الدبلوماسي يخدم الرؤية الإسرائيلية التي ترى في أي اتفاق تهديداً طويل الأمد، لكن هذا ليس كل شيء. هناك أيضاً داخل الولايات المتحدة من يفضّل إبقاء الأزمة تحت السيطرة بدل حلها، فيما تجد إيران في “حافة الهاوية” وسيلة لتعزيز موقعها التفاوضي.

في المحصلة، لا يبدو أننا أمام طريق يؤدي إلى اتفاق قريب، بل أمام مرحلة جديدة من إدارة الأزمة. كل طرف يتمسك بتعريفه الخاص لما يجب أن يكون عليه الحل، من دون أن يملك القدرة على فرضه كاملاً.

المفاوضات لا تفشل بسبب التفاصيل، بل لأنها تنطلق من أهداف مختلفة جذرياً. واشنطن تتحدث عن منع السلاح، تل أبيب عن منع القدرة، وطهران عن حماية الحق. وبين هذه التعريفات المتناقضة، لا يولد اتفاق… بل تستمر لعبة التوازنات، بانتظار لحظة تتغير فيها المعادلات، لا الكلمات.

لو تحب، أجهزه لك أيضًا بعنوان أقوى ونسخة جاهزة للنشر الصحفي أو للفيسبوك.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى