مراكز إعادة المهاجرين تفتح فصلا جديدا في صراع السيادة والحدود داخل الاتحاد الأوروبي

يتحرك الاتحاد الأوروبي بخطوات متسارعة نحو تنفيذ مخطط مراكز إعادة المهاجرين المثير للجدل والذي يستهدف نقل عبء أزمات اللجوء إلى خارج حدوده الجغرافية في توجه يعكس رغبة عارمة في ترحيل الأزمة بدلا من حلها، وتأتي هذه التحركات الرسمية في أعقاب منح البرلمان الأوروبي الضوء الأخضر لمقترحات إنشاء تلك المرافق في مواقع حدودية نائية بعيدا عن القارة العجوز بهدف السيطرة على التدفقات البشرية التي أرهقت كاهل الميزانيات الأوروبية في السنوات الأخيرة الماضية،
تتصدر الدنمارك والنمسا واليونان المشهد المحرض على إنشاء مراكز إعادة المهاجرين بمشاركة فاعلة من ألمانيا وهولندا اللتين تسعيان لفرض واقع جديد في التعامل مع ملف اللجوء قبل حلول شهر يونيو المقبل، وتكشف المخططات المسربة عن استهداف القارة السمراء والشرق الأوسط لاستضافة هذه المراكز حيث تشمل القائمة المقترحة جمهورية غانا وجمهورية السنغال والجمهورية التونسية وجمهورية ليبيا والجمهورية الإسلامية الموريتانية وأوغندا بالإضافة إلى إثيوبيا وجمهورية أرمينيا وجمهورية أوزبكستان والجبل الأسود،
تحركات استكشافية وتوازنات قلقة في سياسة الترحيل
تدرس المؤسسات الأوروبية في صمت مطبق مدى استجابة الأنظمة في رواندا وجمهورية مصر العربية لهذه العروض التي تضع السيادة الوطنية في مواجهة المغريات المالية والسياسية التي يقدمها التكتل الأوروبي، ويهدف هذا النهج الجديد إلى تحويل جزء أصيل من الإجراءات السيادية والرقابية إلى أراضي الغير في محاولة لتقليص أعداد الوافدين وتفريغ القارة من طالبي اللجوء قبل وصولهم للمراكز الرئيسية في بروكسل وباريس مما يجعل من تلك الأراضي مجرد حارس حدود للرفاهية الأوروبية المهددة،
يواجه المخطط الأوروبي عقبات قانونية وأخلاقية جمة رغم محاولات التغطية عليه بعبارات التعاون الاستراتيجي حيث تظل القائمة التي تضم 12 كيانا جغرافيا مجرد مسودة أولية تخضع لموازنات القوة والضعف في العلاقات الدولية، وتؤكد الوقائع أن المحادثات الاستكشافية الحالية تختبر فقط مدى استعداد الحكومات لبيع مواقفها مقابل مكاسب آنية في حين تلتزم الجهات الرسمية في القارة الأوروبية الصمت التام لتجنب الغضب الشعبي والحقوقي المتصاعد ضد هذا التوجه الذي يفتقر لأدنى معايير الإنسانية،
تتجه الأنظمة في الدنمارك والنمسا نحو فرض سياسة الأمر الواقع عبر إنشاء مراكز إعادة المهاجرين في مناطق تعاني أصلا من أزمات اقتصادية طاحنة لاستغلال حاجتها للدعم المالي مقابل استلام المرحلين، ويمثل هذا التوجه انتكاسة كبرى لقيم حقوق الإنسان التي لطالما تغنى بها الاتحاد الأوروبي حيث يتم التعامل مع البشر كبضائع قابلة للشحن والتخزين في مستودعات تقع خلف البحار بعيدا عن أعين الرقابة الدولية وفي مناطق تفتقر لضمانات الحماية القانونية الكافية للمتضررين من هذه السياسات،
تستمر الضغوط على أرمينيا وأوزبكستان والجبل الأسود للدخول في هذا المستنقع السياسي الذي يهدد استقرارها الداخلي ويجعلها في مواجهة مباشرة مع تدفقات بشرية لا تملك القدرة على إدارتها أو استيعابها بشكل سليم، وتكشف الأرقام الصارخة عن نية الاتحاد الأوروبي ترحيل الآلاف بمجرد دخول المخطط حيز التنفيذ الفعلي مما يجعل من مراكز إعادة المهاجرين أكبر سجن مفتوح عابر للحدود في التاريخ الحديث وسط صمت دولي مريب يبارك تلك الخطوات التي تعيد رسم خرائط النفوذ والسيطرة،







