مقالات وآراء

د.سمير عبد العزيز يكتب: خط سكة حديد الحجاز.. من ذاكرة التاريخ إلى ضرورة الجغرافيا

ليس من الحكمة النظر إلى خط سكة حديد الحجاز بوصفه أثراً عثمانياً جميلاً فحسب؛ فهذه قراءة ناقصة لمشروع كانت فكرته، منذ البداية، أكبر من مجرد قطار ينقل الحجاج. تاريخياً، كان الخط محاولة مبكرة لصناعة رابط بري منتظم بين قلب الأناضول وبلاد الشام وشبه الجزيرة العربية، بما يختصر الزمن، ويخفض الكلفة، ويعيد ترتيب المجال الاقتصادي والسياسي على أسس جديدة. ولهذا فإن استدعاء هذا الخط اليوم لا ينبغي أن يكون بدافع الحنين، بل بدافع الحاجة: حاجة التجارة إلى بدائل، وحاجة المنطقة إلى ممرات أكثر أمناً ومرونة، وحاجة الدول إلى ربط الجغرافيا بالمصلحة.

تاريخياً، بدأ العمل في سكة الحجاز عام 1900 في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، ووصل التشغيل إلى المدينة المنورة عام 1908 بعد أن صُمم أساساً لخدمة الحجاج وربط ولايات الدولة العثمانية وتعزيز الاتصال بين الشام والحجاز. وتشير المصادر التراثية والرسمية إلى أن الخط أسهم في تقليص زمن الرحلة بين دمشق والمدينة المنورة بصورة كبيرة، قبل أن يتعرض للتخريب والتوقف خلال الحرب العالمية الأولى والثورة العربية الكبرى. هذه الخلفية مهمة، لأنها تكشف أن جوهر المشروع لم يكن رمزياً فقط، بل لوجستياً أيضاً: تقليل زمن العبور، تأمين الحركة، وتخفيف الاعتماد على المسارات الشاقة وغير المستقرة.

لكن ينبغي التدقيق هنا في نقطة جوهرية: الخط التاريخي الأصلي لم يكن يصل إلى الخليج بالمعنى الجغرافي الحالي؛ فهو في صورته الأصلية ربط دمشق بالمدينة المنورة، مع تشعبات واتصالات ضمن الشبكة العثمانية، وكان التصور الأوسع أن يمتد ضمن منظومة تربط مراكز الدولة الكبرى. أما الحديث المعاصر عن “خط حجاز يصل من تركيا إلى الخليج مروراً بسوريا” فهو، في جوهره، إحياءٌ للفكرة الاستراتيجية لا استنساخ حرفي للمسار التاريخي. أي أننا اليوم أمام رؤية تحديثية لممر شمال–جنوب يربط تركيا ببلاد الشام ثم الأردن فشبه الجزيرة والخليج، مستلهماً إرث سكة الحجاز ومتكيفاً مع خرائط الدول الحديثة وشبكاتها القائمة والمخططة.

وهنا تظهر القيمة الحقيقية للمشروع في الزمن الراهن. فالتجارة العالمية ما تزال تعتمد اعتماداً كثيفاً على البحر؛ إذ تؤكد الأونكتاد أن نحو 80% من حجم تجارة السلع الدولية يُنقل بحراً. وعندما تتعرض الممرات البحرية الكبرى للاهتزاز، تتأذى سلاسل الإمداد فوراً. وقد أظهرت تقارير الأونكتاد والبنك الدولي أن اضطرابات البحر الأحمر وقناة السويس رفعت تكاليف الشحن، ودفعت كثيراً من السفن إلى إعادة التوجيه، وخفضت حركة العبور عبر القنوات والموانئ، بما انعكس على الأسعار والوقت والموثوقية. هذا يعني ببساطة أن أي ممر بري أو سككي إقليمي موثوق لم يعد ترفاً تنموياً، بل صار جزءاً من أمن التجارة نفسه.

ومن هذه الزاوية، فإن إحياء ممر سككي مستلهم من سكة الحجاز سيكون ذا أثر مضاعف. أولاً، لأنه يوفر بديلاً جزئياً عندما تتعطل البحار أو ترتفع فيها المخاطر التأمينية والعسكرية. وثانياً، لأنه لا ينافس البحر بالضرورة، بل يكمله ضمن نموذج النقل متعدد الوسائط: تصل البضائع إلى ميناء، ثم تنتقل إلى السكك، ثم إلى المراكز اللوجستية والأسواق الداخلية. وهذه الصيغة هي الأنجح في عالم الإمداد الحديث، لأنها توزع المخاطر ولا تضع التجارة كلها في عنق زجاجة واحد.

الأهمية الاقتصادية لهذا الممر لا تتوقف عند اختصار المسافات، بل تمتد إلى إعادة توزيع الفرص التنموية داخل المنطقة. فالسكك الحديدية لا تنقل الحاويات فقط؛ إنها تنقل معها الاستثمار إلى المدن الداخلية، وتخلق مراكز تخزين وتجميع وتصنيع خفيف على امتداد الخط، وتربط الموانئ بالمناطق الإنتاجية والأسواق الاستهلاكية. وهنا تكمن إحدى أهم مزايا أي ربط بين تركيا وبلاد الشام والخليج: تركيا قاعدة صناعية وتصديرية كبيرة، والخليج سوق استهلاكية واستثمارية ولوجستية ضخمة، وبينهما فضاء مشرقي يستطيع أن يتحول من منطقة عبور مضطربة إلى منطقة قيمة مضافة، إذا تحسن الربط والبنية التحتية والحوكمة الحدودية. وتشير خطط تركيا الرسمية في قطاع السكك إلى أولوية رفع كفاءة نقل البضائع والربط متعدد الوسائط، وهو اتجاه ينسجم تماماً مع هذا المنطق.

أما من جهة الواقع الجاري، فثمة مؤشرات تجعل الحديث عن هذا الممر أكثر من مجرد فكرة نظرية. فقد أطلقت الخطوط الحديدية السعودية في مارس 2026 ممراً لوجستياً دولياً جديداً يربط موانئ المنطقة الشرقية بالحدود الأردنية عبر مسار يتجاوز 1,700 كيلومتر، مع قدرة تتجاوز 400 حاوية للقطار الواحد، ووقت عبور يقارب نصف الزمن مقارنةً بالنقل البري التقليدي بالشاحنات. هذه ليست تفصيلاً فنياً؛ إنها إشارة عملية إلى أن جزءاً من الحلقة الجنوبية للممر الإقليمي بدأ يتشكل بالفعل. وإذا اكتملت الوصلات شمالاً عبر الأردن وسوريا وصولاً إلى تركيا، فإن المنطقة ستكون أمام بنية بديلة أو مساندة للممرات البحرية المضطربة.

والأكثر دلالة أن الأيام الأخيرة شهدت توقيع تفاهمات نقل وتعاون بين تركيا والأردن وسوريا لتعزيز الربط التجاري واللوجستي وإحياء محور شمال–جنوب من المتوسط إلى البحر الأحمر. ورغم أن هذه التفاهمات ما تزال في طور التفعيل السياسي والفني، فإنها تعكس مزاجاً إقليمياً جديداً: الانتقال من منطق العزل والقطيعة إلى منطق الممرات والربط. وهذا بالضبط ما يجعل فكرة “إحياء سكة الحجاز” اليوم قابلة للنقاش الجاد، لا بوصفها مشروعاً تراثياً، بل بوصفها لغة جديدة للتكامل.

ومع ذلك، فإن الحماسة وحدها لا تكفي. فالمشروع، لكي يصبح حلاً لوجستياً حقيقياً، يحتاج إلى أكثر من مدّ قضبان. يحتاج إلى تسوية سياسية مستقرة في سوريا، وإلى أمن حدودي، وإلى توحيد أو مواءمة في الإجراءات الجمركية، وإلى استثمارات ضخمة في التأهيل والصيانة والإشارات والموانئ الجافة، وإلى نماذج تشغيل عابرة للحدود تضمن أن القطار لا يتوقف عند كل سيادة وطنية كأنه دخل عالماً آخر. من دون هذه الشروط، ستظل الفكرة جذابة على الخرائط، لكنها بطيئة أو مكلفة أو غير موثوقة في الواقع، وهذه هي الصفات التي تقتل أي ممر تجاري.

مع ذلك، يبقى المكسب الاستراتيجي واضحاً: السكك لا تختصر الزمن فقط، بل تختصر الهشاشة. في زمن الحروب وتعطل الممرات البحرية، تكتشف الدول أن السيادة الاقتصادية ليست في امتلاك الموانئ وحدها، بل في امتلاك البدائل. وكلما تعددت المسارات، انخفضت قابلية التجارة للاختناق. ومن هنا يمكن فهم سكة الحجاز الجديدة، أو أي صيغة معاصرة لها، على أنها مشروع أمن اقتصادي إقليمي بقدر ما هي مشروع نقل.

في تقديري، فإن أعظم ما يمكن أن يقدمه إحياء هذا الخط ليس فقط نقل البضائع بين تركيا والخليج مروراً بسوريا، بل إعادة تعريف المنطقة نفسها: من جغرافيا ممزقة بالأزمات إلى جغرافيا تربط البحر بالبر، والميناء بالداخل، والتاريخ بالمصلحة. لقد كان خط الحجاز في بدايته إعلاناً بأن الجغرافيا يمكن تنظيمها بالقضبان؛ أما اليوم، فإن إحياؤه أو بناء ما يقوم مقامه سيكون إعلاناً بأن المنطقة قادرة، رغم الحروب، على إنتاج عقل لوجستي جديد أقل انفعالاً بالاضطراب وأكثر قدرة على الاستمرار.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى