مقالات وآراء

د. عدنان منصور يكتب : أمن منطقة غربي آسيا بمن يُناط… بواشنطن وتل أبيب أم بأبنائها؟!

تعمَد الولايات المتحدة ومعها الكيان الإسرائيلي منذ عقود إلى احتواء دول غربي آسيا ومصادرة سيادتها، وأمنها القومي، بحيث تكون “إسرائيل” الموجهة والمهيمنة على كلّ صغيرة وكبيرة، خاصة بعد أن تقدم المشروع الإبراهيمي للرئيس الأميركي دونالد ترامب في السنوات الأخيرة، ولقي تجاوباً عند المتماهين مع التوجهات السياسية لواشنطن وتل أبيب!

يدرك الثنائي الأميركي الإسرائيلي جيداً، أنّ مصادرته للأمن القومي لدول غربي آسيا يُعتبر هدفاً استراتيجياً له، يعزّزه انتشار القواعد العسكرية الأميركية، والنفوذ الأميركي ـ الإسرائيلي العميق على مساحة جغرافية واسعة، يمتدّ من أذربيجان، وتركيا، والعراق، مروراً بسورية، والأردن وصولاً إلى دول الخليج العربية، إلا أنّ هذا المشروع الإبراهيمي لا يمكن تحقيقه بشكل كامل، وإيران خارج المعادلة، نظراً لأهميتها الجيو ـ سياسية والاستراتيجية، والبشرية والعسكرية، وثرواتها الطبيعية الهائلة، ومساحتها الكبيرة الممتدة من أفغانستان إلى الخليج، ومن بحر قزوين إلى المحيط الهندي، بالإضافة إلى إرثها ومخزونها الحضاري، والثقافي، والتاريخي.

منذ 47 عاماً وإيران تحت المجهر الأميركي ـ الإسرائيلي، فيما واشنطن وتل أبيب لم تكفّا يوماً، ومع حلفائهما في المنطقة وخارجها، عن شيطنة إيران، وتصنيفها أنها واحدة من “محور الشر”، وأنها تهدد أمن المنطقة، ما جعل واشنطن وتل أبيب تبتزان دولاً فيها، وتدفعانها إلى رفع موازناتها الدفاعية، إلى أن بلغت النفقات العسكرية لدول المنطقة أكثر من 3 تريليون دولار منذ عام 1980 وحتى اليوم. لم تكتف واشنطن بهذا القدر، بل عمدت إلى زرع قواعد عسكرية على الشاطئ الغربي للخليج من شماله إلى جنوبه، وكلّ ذلك من أجل “حماية” دوله، ومحاصرة إيران من الشمال والغرب والجنوب، بالإضافة إلى إجراءات قاسية اتخذت ضدّها، تمثلت بفرض عقوبات مالية، واقتصادية، وتجارية خانقة، بذريعة أنّ إيران تسعى إلى تصنيع سلاح نوويّ. الغاية من هذه العقوبات، إكراه طهران وجرّها إلى مفاوضات، تفرض فيها الولايات المتحدة شروطها التعجيزيّة على إيران، وترويض سياستها المعادية لها، فيما دول في المنطقة، سارت في ركب الثنائي الأميركي ـ الإسرائيلي، ولم ترفع صوتها في وجه واشنطن، بل غضّت نظرها عن الترسانة النووية الإسرائيلية التي راكمتها “إسرائيل” على مدى خمسة عقود !

كيف يمكن تحقيق الأمن القومي في غربي آسيا، فيما دول المنطقة تحت رحمة السلاح النووي الإسرائيلي! لماذا هذا الولاء للولايات المتحدة، ولرئيسها ترامب الذي لم يتوقف عن توجيه الإهانة تلو الإهانة لدول في المنطقة، يستخفّ بها، ويتهكّم على زعماء وحكام فيها، بشكل غير لائق ومقزز؟ لماذا يتصدّى زعماء الغرب لتصريحات ترامب البعيدة عن الاحترام، والأعراف، والأخلاق، في حين يلتزم زعماء العرب الصمت المطبق حيالها !

مَن يجرؤ في المنطقة، على مطالبة ترامب بجعل “إسرائيل” تكشف عن منشآتها النووية وتخضعها للتفتيش من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية؟! ألا تشكل الترسانة النووية الإسرائيلية تهديداً مباشراً للأمن القومي لدول غربي آسيا؟! ألم يسمع حكامنا التصريحات التي صدرت أثناء العدوان الأميركي ـ الإسرائيلي الأخير على إيران، عندما طالب أكثر من مسؤول في “إسرائيل”، استخدام السلاح النووي ضدها؟!

عن أي أمن وسلام واستقرار في المنطقة يتحدث ترامب؟! هل كانت الولايات المتحدة منذ انخراطها في شؤون الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الثانية، منصفة ولو لمرة واحدة، في تعاطيها مع حقوق دول وشعوب منطقة غربي آسيا؟! هل تعاطت بصدقية، ونزاهة، وحيادية، وأخلاقية مع قضاياها، وتطلعات شعوبها؟! لقد كانت أميركا على الدوام منحازة كلياً لـ “إسرائيل” في كلّ حروبها منذ عام 1948 وحتى اليوم. هذا الانحياز الأعمى اللاإنساني وصل إلى ذروته مع سياسة ونهج الرئيس ترامب تجاه المنطقة، والذي أثبت للعالم كله أنّ إمبراطورية “الحرية” و”الديمقراطية”، و”حقوق الإنسان”، ليست إلا امتداداً طبيعياً، وأكثر سوءاً، وظلماً، واستبداداً من القوى الاستعمارية التي جثمت لقرون على صدر معظم دول العالم.

ها هي أميركا تطلق يد “إسرائيل” لتقرير مصير الأمن القوميّ لغربي آسيا، وتغيير جغرافيتها على يد رئيس حكومتها نتنياهو، وبدعم لا محدود من الرئيس الأميركي!

لم يرق لترامب ونتنياهو، أن تكون إيران خارج المعادلة المرسومة، وأن تبقى معها دول أخرى في المنطقة ترفض الخنوع والهيمنة الأميركية ـ الإسرائيلية عليها. أمام هذا الرفض، قرّر ترامب ونتنياهو اللجوء إلى خيار الحرب ضدّ إيران، وتنفيذ عمليات عسكرية واسعة النقاط بغية إسقاط نظامها وحملها على الاستسلام، وإزلة العقبة الرئيسة من أمام المشروع الإبراهيمي، ومن ثم جرّها إلى مفاوضات تجري تحت النار، والقوة، والحصار الاقتصادي.

لقد ظنّ ترامب أنه بشروطه التعجيزيّة، وتلويحه بالتهديد والوعيد يستطيع تحقيق أهدافه من المفاوضات في إسلام آباد، ويجبر إيران على الرضوخ لشروطه. لكن إيران في إسلام آباد رفعت في وجه المفاوض الأميركي البطاقة الحمراء، رافضة الضغوط الأميركية، ومتمسكة بمطالبها وحقوقها المشروعة، وإنْ أدّى الأمر إلى فشل المفاوضات! المفاوض الإيراني كان يعرف مسبقاً نيات ترامب السلبية التي سبقت المفاوضات، والتي أعرب من خلالها عن استعداده للجوء إلى القوة العسكرية، إنْ لم تقبل إيران بشروطه! لكن طهران ردّت بحزم، أنها لن تفرط بحقوقها، وهي جاهزة لصدّ أيّ عدوان ضدها، وأنّ الأسلوب الفوقي الذي يتعاطى به ترامب مع الآخرين، لا يمكن أن يسلك طريقه مع الإيرانيين!

على دول غربي آسيا، وبالذات منطقتنا المشرقية أن تدرك جيداً، أنّ حروب الولايات المتحدة، وقاعدتها “إسرائيل” لن توفر الأمن والسلام والاستقرار للمنطقة! هل وفرت القواعد العسكرية الأميركية الحماية لدول المنطقة؟! هل حقق الإنفاق العسكري الهائل لدولها، الأمان والاستقرار، والتي تنفق سنوياً أكثر من 150 مليار دولار على موازنتها العسكرية؟!

إنّ أمن منطقة غربي آسيا لا يُناط مطلقاً بالولايات المتحدة و”إسرائيل”! أمن المنطقة يصونه أبناؤها. ولا يأتي من سيد البيت الأبيض، ولا من مرتكب المجازر في غزة ولبنان.

آن الأوان لدول المنطقة، أن تعلم مَن هو العدو الحقيقي، ومَن هو الصديق الفعلي، وأنه حان الوقت لتهذيب العلاقات بين دول المنطقة، وطيّ صفحة الخلافات بينها، طالما أنّ السياسات الأميركية ـ الإسرائيلية تحرص على تأجيجها واستمرارها!

إنّ ما يجمع دول المنطقة، أكثر بكثير مما يفرّقها، وما حرب الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي، إلا عبرة لمن يعتبر، ودرساً تاريخياً لمعرفة العدو من الصديق، ولفهم حقيقة السياسة الأميركية التي تعمل لمصالحها، ومصالح “إسرائيل” فقط. ما تريده واشنطن من دول غربي آسيا، هو أن تكون في خدمة مصالحها السياسية والاستراتيجية، والاقتصادية، والطاقوية، ومنخرطة في مشروعها الإبراهيمي الهادف إلى تغيير وجه الشرق الاوسط بأكمله والسيطرة عليه مع “إسرائيل”.

كيف يمكن لدول غربي آسيا المنضوية في منظمة التعاون الإسلامي، أن تعجز عن إيجاد تعاون وتحالف متين بينها، بغية صون أمنها القومي وحمايته، وتترك المجال للولايات المتحدة و”إسرائيل”، أن تتدخل في سياساتها وشؤونها، وتحدّ من سيادتها وحرية قرارها!

التهديد الموجّه لدول غربي آسيا، لا يأتي من الدول العربية، ولا من تركيا أو إيران، التهديد الفعلي يأتي من “إسرائيل” النووية، التي تجاهر علناً بخريطتها التوراتية التي تشكل خطراً وجودياً حقيقياً مباشراً على دول غربي آسيا، وتعمل على تقسيمها!

ما يهمّ واشنطن هو التحالف معها، والتطبيع مع “إسرائيل”، والسير في مشروعها الإبراهيمي.

إنّها ساعة الحقيقة في منطقة غربي آسيا، حيث لم تغِب الحرب عن ذهن ترامب الذي يلوّح بها، ومعه حليفه في تل أبيب، فمتى تتخذ دول المنطقة موقفاً مشرّفاً، يعبّر عن كرامتها وحرية قرارها وكرامة شعوبها، وترفع الصوت عالياً في وجه الفرعون الجديد، وتقول له كفى!

لا يمكن للمنطقة، أن تأمن لمدمني الحروب، المتربّصين ببلدانها، وثرواتها، ومستقبلها، ووحدة شعوبها، ولا يمكن أن تنتظر منهم السلام والأمن، والاستقرار! فلتتحد دول غربي آسيا لمواجهة ما يُبيّت لها، وقبل أن يجرفها الطوفان الإبراهيمي التوراتي بكلّ ما فيها…!

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى