مقالات وآراء

يحيى غانم يكتب: الجزيرة والوجه الآخر للسلام.. التعايش المتناقض بين الإعلام والجيش والمخابرات

“وحدهم الصحفيون والجنود الموتى هم من يرون نهاية حروبهم”

الجمهور الصامت

كنت ممدداً، فاقداً للقدرة على الحركة من فرط الرعب. قذائف الهاون كانت بتصفر وهي نازلة من التلال اللي بيسيطر عليها الصرب بقيادة رادوفان كارادزيتش. العرق غرق قميصي تحت السترة الواقية من الرصاص، وضربات قلبي كانت بتدب في صدري، بتعلى وتتسارع، لحد ما اتحركت في اللحظة اللي سقطت فيها القذيفة.

انتفضت واقف، عيني بتفحص الدمار في المخبأ المظلم اللي احتميت فيه.. وفجأة، استوعبت إني قاعد على سريري. احتجت كذا دقيقة عشان أدرك إني رجعت القاهرة من تلات أيام، وإني نايم في أوضتي الدافية والآمنة.

ما قدرتش أمسح العرق من على وشي ولا أهدي أفكاري اللي بتجري. كنت بعاني من “اضطراب ما بعد الصدمة” (PTSD) بس ما كنتش أعرف، ولا كنت أعرف وقتها إيه هي أعراضه.

بعد تلات ساعات، كنت في جريدة “الأهرام” عشان اجتماع بخصوص مهمتي الجاية في سراييفو. بما إني ما عرفتش أنام، قمت لبست وشربت قهوتي وسجارتي ونزلت على الشغل.

كان صباح بارد من أيام نوفمبر 1993. السحب السوداء والضباب قلبوا مطر، وكنت براقب نقط المطر وهي بتسابق بعضها على زجاج التاكسي وأنا في طريقي لمقر الأهرام بوسط البلد. غمضت عيني وافتكرت البرد القارس اللي سبته في سراييفو؛ مقارنةً بتلج سراييفو وانعدام التدفئة، كان شتا القاهرة اللطيف نعمة كبيرة.

لما وصلت، موظفين الحسابات لسه ما جوش. قعدت على مكتبي بقرأ جرايد الصبح، لحد ما جالي زميل شاب قالي:

“فيه مكالمة تليفون عشانك”.

سألته باستغراب: “مكالمة؟ وعشاني أنا؟”.

في الأول، افتكرت اللي بيكلمني بنت صغيرة، بس الصوت صلح لي المعلومة بسرعة وبنبرة حادة:

“أنا راجل. اسمي محمد”.

كان واضح إن الطفل ده شايف نفسه راجل، زي ولاد كتير في السن ده. احترمت ده وسمعت له بتركيز.

محمد اتكلم بوعي شديد عن قضايا قرأها في تغطيتي للحروب. استيعابه للموضوع وهو في السن ده ملاني أمل كبير. ولما عرفت إنه هو وأصحابه عملوا “نادي قراءة” وإن تقاريري اليومية من البوسنة بقت محور نقاشاتهم، اتأثرت أكتر.

بعد أكتر من 30 دقيقة كلام، محمد سألني لو يقدر يقابلني هو وأصحابه عشان يتناقشوا أكتر في أزمة البوسنة. وافقت فوراً واقترحت يجوا الأهرام تاني يوم.

حصلت لحظة صمت.. بعدها محمد وشوش أصحابه ورد عليا:

“نفضل نقابلك في مكان تاني. قلقانين من المراقبة الأمنية”.

ذهلت. ما جاش في بالي أبداً إن أطفال ممكن يكون عندهم مخاوف زي دي. رديت عليه بحزم بس بحنان: “ما فيش حاجة تخوف يا محمد. هات كل أصحابك وتعالوا مكتبي”.

تاني يوم الصبح، موظف الاستقبال بلغني بوصول ضيوفي الصغيرين. نزلت اللوبي لقيت 6 أطفال، سنهم بين 9 و12 سنة، بيقودهم محمد. طلعنا الأسانسير لكافتيريا الصحفيين في الدور الرابع، وأنا طالع كان قلبي مليان فخر بيهم.

محمد ما كانش أكبرهم ولا أطولهم، بس قيادته كانت واضحة. لسه فاكر ملامحه السامية: عينين سود واسعين، شعر فاحم، ووش فيه جدية أكبر بكتير من سنه.

وإحنا بنتكلم، بهرني متابعتهم الدقيقة لتطورات الحرب. وفجأة، وبكل ثقة، محمد كشف عن السبب الحقيقي لزيارتهم:

“إحنا عارفين إنك عارف مداخل ومخارج سراييفو. عايزين نروح معاك في رحلتك الجاية”.

سألت مذهول: “ليه؟”.

رد بدون تردد: “عشان نساعد البوسنيين المنكوبين”.

طلبه كان آخر حاجة أتوقعها. محمد شرح وجهة نظرهم بصدق، ومثاليته حركت مشاعري، بس كنت عارف إني لازم أرد بحرص. مش عايز أستهين بإيمانهم بالقضية، لكن لازم أحطهم قدام الواقع.

أثنيت على روحهم النبيلة وشرحت لهم الوضع العسكري المأساوي: البوسنيين معندهمش إمكانيات ومحاصرين، ووجودهم هناك -رغم نيتهم الطيبة- هيمثل خطر عليهم وعلى غيرهم؛ لأن الجنود هيضطروا يحموهم بدل ما يحاربوا.

قلت الحقيقة برفق، من غير ما أهين ذكاءهم أو أطفي حماسهم. ملامح الإحباط كست وشوشهم، وحاولوا يقترحوا بدائل بس في الآخر استسلموا للحقائق الصعبة. وقبل ما يمشوا، فاجئوني تاني.

محمد قالي: “لو مش هنقدر نروح بنفسنا، خد الفلوس دي اللي حوشناها عشان الرحلة”، واداني شنطة صغيرة.

سألت: “فيها كام؟”.

رد: “أربعة آلاف وشوية جنيه”.

سألتهم لو استأذنوا أهاليهم، وشوشهم احمرت، وأكدوا إن دي فلوسهم الخاصة، حوشوها على مدار سنتين من مصروفهم.

برضه، اقترحت عليهم بلطف إنهم لو أهاليهم وافقوا، الأفضل يتبرعوا بالفلوس دي لجهة إغاثية معتمدة.

بعد حوالي تلات ساعات، مشيوا. وصلتهم لحد بوابة الأهرام الرئيسية ووقفت أتفرج عليهم وهم ماشيين، وأنا كلي فخر بـ “أشباه الرجال” دول اللي جوعهم للحرية والعدالة تخطى الحدود والأديان والأعراق.

وأنا براقب محمد وسط صحابه، قلت لنفسي: “ده قائد في طور التكوين”. في اللحظة دي، جالي بصيص أمل إن بلادنا ممكن في يوم يقودها أرواح زي دي.

ومع ذلك، كان جوايا خوف ملوش آخر. تاريخ طويل من القمع -حتى لو مش سياسي بشكل مباشر- “عقم” البلد. المواطنين بيتقمعوا من طفولتهم، وده بيطفي أي فرصة لمجتمع حي وحر التفكير.

إزاي القمع اتجذر للدرجة دي؟ ليه أطفال يخافوا يدخلوا مؤسسة صحفية مملوكة للدولة عشان يقابلوا صحفي في قضية نبيلة؟

اليوم ده، الأطفال دول علموني درس بيغيب عن صحفيين كتير، خصوصاً مراسلي الحروب. إحنا بنفترض إن جمهورنا هما البالغين، وشوية مراهقين. بس لما شوفت الأطفال دول، أدركت إن صحافة الحرب بتوصل لأبعد مما نتخيل.. بتلمس الصغار، الجمهور الصامت وغير المرئي.

من اليوم ده، آمنت إن تقارير الحرب لازم تعمل أكتر من مجرد توعية الكبار؛ مهمتها هي بناء “ضمير مناهض للحرب” يبدأ من الطفولة.

الحرب اللي ورا الحرب

في الميدان، اللي بتشوفه نادراً ما بيمثل القصة كاملة. الحرب مش بس رصاص وحدود ومعاهدات؛ هي صراع على الرواية، وعلى الصمت، وعلى الذاكرة.

من اللحظة اللي لبست فيها باج الصحافة ودخلت منطقة صراع، أدركت إن الصحافة -خصوصاً في النزاعات- هي “تضاريس” بحد ذاتها. في ساحة المعركة دي، الحقيقة بيتم مطاردتها، وتشكيلها، وحجبها، والتلاعب بيها، وأحياناً ضياعها.

كمراسلين حرب، إحنا شايلين أكتر من نوتة وكاميرا: شايلين افتراضاتنا، ونقاط ضعفنا، والمواعيد النهائية، والثقل السياسي لمؤسساتنا. بندخل أماكن الكلمة فيها ممكن تدوي أقوى من قذيفة الهاون، والصورة ممكن تعيش أكتر من أصحابها، والقرار الواحد -تصور أو لا، توصف أو تخبي- ممكن يخلد ذكرى مجزرة أو يمسحها تماماً. ما كنتش مستعد للمسؤولية دي.

اللي اتعلمته، وبالطريقة الصعبة، إن صحافة الحرب عمرها ما كانت “محايدة”. ادعاءات الحياد اللي بتتردد في غرف الأخبار بتدوب فوراً لما جندي على كمين يطلب باسبورك، أو لما مسؤول حكومي يعرض عليك “تسهيلات” مقابل رواية “ألطف”.

كل صحفي في الميدان متراقب. الجيوش، الأنظمة، المخابرات، المدنيين، والناجين.. الكل بيراقب. والكل بيستخدمنا، بقصد أو من غير قصد.

الجيش عايز رسالته توصل “نضيفة”. الحكومات بتدور على تغطية تلمع صورتها وبتكتمها لو حست بتهديد. المتمردين عايزين ظهور. جماعات الإغاثة عايزة تسلط الضوء على المعاناة بس خايفة من التسييس. والصحفي محشور في النص، بيعافر عشان يفضل “إنسان” في مسرح بيطلب منه “تمثيل”.

أنا ما دخلتش الصحافة عشان “أمثل”. دخلتها عشان “أشهد”. بس حتى المثالية دي أعقد بكتير مما كنت فاكر.

في كرواتيا، والبوسنة، واليمن، وأفغانستان، وسيراليون، والكونغو الديمقراطية.. قعدت قدام ضحايا حرب. الصدمة كانت مخلياهم مش قادرين يتكلموا.

كانت وظيفتي أنقل قصصهم. بس إزاي أطلب منهم يعيشوا ذكريات هما بيموتوا عشان ينسوها؟ إزاي “أعلّب” وجعهم للقراء البعيدين، وأنا عارف إن القصة ممكن تتنشر بين صفحة رياضة وإعلان؟

ومع ذلك، الصمت كان هيبقى خيانة تانية.

في اللحظات دي، وأنا بصه في عيون شافت كتير وبترجم الوجع لفقرات، بدأت أفهم اللي بتطلبه صحافة الحرب.

صحافة الحرب مش محتاجة شجاعة وتسهيلات بس؛ محتاجة تواضع، وسياق، وقدرة على استجواب دوافعنا إحنا كصحفيين قبل استجواب الأحداث.

عشان كده الأطفال اللي قابلتهم في نوفمبر 1993 ما غابوش عن بالي. محمد وأصحابه ما سألوش عن عدد القتلى ولا الاستراتيجيات، ما رددووش شعارات سياسية. سألوا: “إحنا نقدر نعمل إيه؟”.

فطرتهم ما كانتش فضولية؛ كانت أخلاقية. وده في الآخر اللي لازم صحافة الحرب ترجع له: مش بس عرض الفظائع، لكن مساعدة الناس إنهم يحسوا بتقل المسؤولية اللي بتيجي مع “المعرفة”. الكتاب ده عن المسؤولية دي.

ده مش مذكرات بالمعنى التقليدي، رغم إنه بيعتمد على ذكرياتي. ولا هو كتاب تعليمي عن تغطية النزاعات، رغم إني أتمنى يقدم دروس.

هو تأمل في الخطوط الخفية بين الصحافة، والإعلام، والجيش، والمخابرات، والبروباجندا، والشجاعة، والتواطؤ، والضمير. لأن ورا كل منشيت، فيه “حرب ورا الحرب”.. ودي اللي نادراً ما بنشوفها.

سؤال “يعني إيه تشهد على الأحداث؟” طاردني في كل حرب دخلتها، ولسه بيطاردني.

الكتاب ده هو محاولتي للإجابة، مستنداً لخبرة ربع قرن من تغطية الحروب، ليا ولزمايلي. وبشكل خاص، بيستعرض النموذج الجريء وغير التقليدي اللي أسسته قناة “الجزيرة”.

وإلى جانب ده، الكتاب بيضم فصول بيتأمل فيها ضباط كبار في الجيش والمخابرات “صحافة الحرب”، وساعات بنلاقي نقاط اتفاق مدهشة، وساعات فجوات صارخة.

اللي بدأ كدافع أخلاقي، اتحول لمهمة مهنية: لفهم إزاي تقارير الحرب بتشكل اللي بنعرفه وبنحسه وبنعمله تجاه الصراعات. وإزاي مع الوقت، الصحافة اضطرت تستعير أدوات وأساليب وحساسيات من عالم الجيش والمخابرات، لأن التلاتة شغالين في نفس البيئة المتصارعة وعالية المخاطر.

مقدمة

الحقيقة، الصراع، والإعلام: الوجه المتغير لتقارير الحرب

في بداية الحرب العالمية التانية، وينستون تشرشل قال جملته الشهيرة: “في وقت الحرب، الحقيقة غالية جداً لدرجة إنها لازم تكون محاطة بحراسة مشددة من الأكاذيب”. كلماته بتلخص المفارقة الأبدية للصراع: الحقيقة كنز لازم نحميه، وأداة لازم نتلاعب بيها. إخفاء الحقيقة باسم “الأمن القومي” فضل مستمر حتى بعد ما آخر قنبلة وقعت، وده شكل مشهد معلوماتي بيتم فيه تقديم الحقائق “بالقطارة”، وكتير بيبقى لخدمة مصلحة الدولة مش حق الجمهور في المعرفة.

الصحافة، وخصوصاً تقارير الحرب، بتقف على أرض تانية خالص. بتعتمد على إن الشفافية ضرورة، والمعلومات لازم تكون متاحة.

الانقسام الفلسفي ده بيخلق احتكاك دايم بين الإعلام المستقل (اللي شايف نفسه رقيب) وبين المؤسسات العسكرية والاستخباراتية (اللي شايفة إن كشف المعلومات خطر). وفي وسط الاحتكاك ده، الصحفيين اضطروا يتأقلموا.

ومع الفجوة الكبيرة في الموارد والإمكانيات، بدأ مراسلو الحروب يتبنوا هياكل ولغة واستراتيجيات “عسكرية” عشان يقدروا يغطوا الميدان بشكل أحسن.

الكتاب ده بيبحث في العلاقة “التبادلية” المعقدة، والعدائية أحياناً، بين الإعلام والجيش والمخابرات. زي أقطاب المغناطيس المتنافرة، بيبعدوا عن بعض بس بينجذبوا في السعي وراء “الحقيقة”. التضليل -اللي هو “حرس الأكاذيب” اللي قال عليه تشرشل- بيفضل هو الخط الفاصل. بس الحقيقة، مهما كان فيها صراع، بتفضل قوة دافعة للصحفيين عشان يكشفوا واقع الحرب.

التصميم العسكري وراء الابتكار الصحفي: الصحافة كأداة لمنع الصراع

أنا ما عرفتش تمن الحقيقة في قاعة محاضرة ولا مكتب تحرير، عرفته وأنا مستخبي ورا شكاير رمل في ميادين قتال كتير، بسمع صوت الهاون من بعيد. غريزة التوثيق والشهادة كانت بتخبط في احتمالية حقيقية جداً وهي إني ممكن ما أطلعش من هنا حي.

فاكر إني كتبت قصة صحفية على ضوء شمعة، وإيدي كانت لسه بتترعش بعد قذيفة جت قريبة مني، وكنت بسأل نفسي: هل العالم هيهتم؟ في الكتاب ده، بحاول أجاوب على أسئلة كتير، مش بس من تجربتي، لكن من خلال تطور مؤسسة إعلامية تجرأت إنها تتحدى “بنيان الرواية” في الحرب: وهي الجزيرة.

الموضوع بدأ بإدراك إن فيه “قاموس مشترك” بين الصحافة والعمليات العسكرية. مصطلحات زي “الانتشار” (deployment)، “التصوير/الإطلاق” (shooting)، “البصمة” (footprint)، وغيرها مش مجرد استعارات؛ دي بتعكس تشابك عميق في الأساليب والعقليات والمهمة.

الجزيرة، اللي انطلقت في 1996 لخدمة الجمهور العربي، ظهرت كقوة عالمية في الصحافة بعد الغزو الأمريكي لأفغانستان في 2001. قدرتها إنها توصل لمناطق المواجهة اللي الشبكات الغربية التقليدية ما عرفتش توصل لها، سمح لها إنها تقدم لقطات حصرية ووجهات نظر مباشرة غيرت الطريقة اللي العالم بيشوف بيها الحرب ويفهمها. النجاح ده ما كانش بالصدفة، كان نتيجة سنين من التخطيط الدقيق والتطوير الاستراتيجي لفرق تغطية النزاعات.

حرب أفغانستان كانت “البروفة” اللي الجزيرة طورتها واستخدمتها في صراعات تانية بعد كده، في العراق ولبنان وسوريا وغزة وإيران وأوكرانيا. وفي كل حالة، تقاريرها كانت بتسلط الضوء مش بس على العمليات العسكرية، لكن على “التمن الإنساني” الفادح للحرب.

تغطية الحرب والأثر الإنساني

محور أساسي في الكتاب هو التقاطع بين تغطية الحرب والاستجابة الإنسانية. هل التغطية الدقيقة والعميقة ممكن تدفع لتدخل إنساني أو تشكل قرارات سياسية؟ الشواهد بتقول أيوة.

من خلال توثيق العلاقات دي، الكتاب بيبين إن الصحافة “المتمكنة” بتعمل أكتر من مجرد نقل الخبر؛ هي ممكن تغير مسار الأحداث على الأرض.

ومن خلال حوارات حصرية مع صحفيين ومديرين في الجزيرة، العمل ده بيكشف الفلسفات التحريرية وطرق الشغل اللي بتوجه تغطيتهم للنزاعات.

وتحت السطح، فيه شبكة من التحديات الأخلاقية: الضغط عشان تقدم لقطات درامية، التوتر بين “سرد القصة” وبين “الإثارة”، والمعاناة المستمرة للحفاظ على النزاهة الصحفية في ظروف قاسية جداً.

نموذج جديد في صحافة الحرب

ظهور الجزيرة كقوة إعلامية عالمية بيجسد القدرة الثورية لتقارير النزاعات المبتكرة. بفهم الاستراتيجيات والهياكل اللي بتشبه شغل الجيش والمخابرات، الشبكة أعادت تعريف إزاي الحرب بتترصد وتتحكي وتتفهم.

في وقت الأخبار العاجلة فيه بتتحول لـ “فرجة”، الدراسة دي بتأكد على أهمية المسؤولية التحريرية. بتبحث إزاي الصحفيين بيوازنوا بين “الوصول للمعلومة” وبين “الأخلاق” في بيئات متقلبة، وإزاي بيحموا قيم المهنة وسط الفوضى.

ملتقى الإعلام والجيش والاستجابة الإنسانية

ممكن تكون أهم مساهمة للكتاب هي مساءلة الرابط بين التغطية الإعلامية، العمليات العسكرية، والاستجابة الإنسانية. الكتاب بيتحدى الفكرة القديمة اللي بتقول إن صحافة الحرب مجرد “رد فعل”. بدل ده، الكتاب بيقول إن الصحافة ممكن تكون “عنصر فاعل” بيشكل الاستجابة الدولية للأزمات.

وباستراتيجيات ملموسة وأمثلة من أرض الواقع، الكتاب بيكشف إزاي نهج الجزيرة الجريء -والإنساني في نفس الوقت- ساعد في تغيير مش بس إزاي بنغطي الصراعات، لكن إزاي بنشوفها ونتعامل معاها.

خاتمة

في الجوهر، الكتاب ده هو رحلة غوص عميقة في تطور صحافة الحرب، مع تركيز خاص على مسيرة الجزيرة من قناة إقليمية لـ رائد عالمي في تغطية النزاعات.

بجمعها بين اللوجستيات ذات الطابع العسكري وبين الروح الإنسانية، الجزيرة تحدت الصحافة التقليدية وأعادت تعريف دور الإعلام في وقت الحرب.

ومع تسارع الصراعات وفيضان المعلومات عبر الحدود، فيه حقيقة واحدة بتبان: الصحافة لازم تعمل أكتر من مجرد الإخبار. لازم تحفز المساءلة، وتعلي قيم العدالة، وتحرك الضمير الجمعي. الكتاب ده هو شهادة على قوة الصحافة، مش بس عشان تشهد على التاريخ، لكن عشان تساعد في صنع عالم أكتر إنسانية وعدلاً.

ترجمة المقال المنشور علي المدونة الشخصية للكاتب الصحفي يحيى غانم (Yehia Ghanem) على منصة Substack

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى