شباك نورمقالات وآراء

الدكتور أيمن نور يكتب: البرادعي لترامب.. المعاهدات لا تُولد… بل تموت تحت الحصار

تتكلم القوة بصوتٍ صاخب، لكن القانون وحده يملك الذاكرة والبقاء. وكل ما لا تحفظه النصوص من حقوق، يذروه الزمن كأنه لم يكن؛ هكذا يطلّ المشهد الدولي اليوم، لا بوصفه صراع إرادات فحسب، بل امتحانًا قاسيًا لما تبقّى من فكرة العدالة في عالمٍ يوشك أن يُدار بمنطق الحصار لا بمنطق الشرعية.

ما كتبه الدكتور محمد البرادعي لم يكن تغريدة عابرة، ولا تعبيرًا دبلوماسيًا تقليديًا، بل كان بيانًا قانونيًا مكثفًا يختصر مدرسة كاملة في احترام القواعد الدولية؛ الرجل، الذي خبر دهاليز القانون الدولي من موقعه في الوكالة الدولية للطاقة الذرية، عاد ليذكّر العالم بأن الاتفاق لا يُقاس بتوقيعه، بل بشروط ولادته.

محمد البرادعي استند بوضوح إلى اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، مستدعيًا نص المادة 52 التي تُسقط أي معاهدة أُبرمت تحت التهديد أو استخدام القوة؛ لم يترك مساحة للالتباس، ولم يُقدّم رأيًا سياسيًا يحتمل الجدل، بل وضع قاعدة قانونية صلبة: ما يُنتزع بالإكراه، لا يكتسب شرعية مهما بدا متماسكًا في لحظة التوقيع.

لم يتوقف التحذير عند حدود النص، بل تجاوزه إلى كشف خللٍ أعمق في إدارة القوة ذاتها. الرسالة كانت واضحة: مستشارو القوة قد ينجحون في صناعة اتفاق، لكنهم يعجزون عن منحه الحياة؛ لأن الحياة القانونية لأي معاهدة لا تُستمد من ميزان القوة، بل من ميزان الرضا الحر.

هنا يتقاطع القانون مع الأخلاق، وتتقاطع السياسة مع الفلسفة؛ لأن القبول بمنطق الإكراه لا يعني فقط انتهاك نص قانوني، بل يعني تقويض فكرة التعاقد ذاتها. فالعالم الذي يقبل اتفاقات تحت الحصار، هو عالم يشرعن الابتزاز، ويُسقط عن نفسه صفة النظام.

ما يُنسب إلى إدارة دونالد ترامب من فرض ضغوط قصوى وحصار متعدد الأشكال، لا يمكن قراءته بمعزل عن هذه القواعد؛ لأن استخدام القوة – سواء كانت عسكرية مباشرة أو اقتصادية خانقة – يدخل في نطاق ما حظره ميثاق الأمم المتحدة، خاصة في المادة الثانية التي تؤكد الامتناع عن التهديد أو استخدام القوة في العلاقات الدولية.

القانون الدولي لم يعد يفرّق بين الرصاصة والخبز المحاصر؛ فكلاهما وسيلة ضغط، وكلاهما قد يفضي إلى ذات النتيجة: إرادة منقوصة، واتفاق مشوّه؛ ومن هنا، فإن أي اتفاق يُبرم في ظل هذا السياق، يظل مهددًا بالسقوط في أول اختبار قانوني أو سياسي حقيقي.

قراءة البرادعي، في جوهرها، تمنح الطرف المُكرَه سندًا مستقبليًا لا يمكن تجاهله. لأن القانون، حتى إن صمت مؤقتًا، لا يسقط بالتقادم؛ وأي اتفاق فاقد للرضا، يمكن الطعن عليه متى تبدلت موازين القوة، أو استُعيدت الإرادة.

هذه ليست مجرد مسألة إجرائية، بل هي جوهر فكرة السيادة. لأن السيادة لا تعني فقط حق اتخاذ القرار، بل تعني أيضًا أن يكون هذا القرار حرًا. وإذا فُقدت الحرية، سقطت السيادة، حتى لو بقيت الأشكال قائمة.

هنا تتبدى المفارقة الكبرى التي طالما حذرنا منها في حديثنا عن الليبرالية المغشوشة. تلك التي تتحدث عن الحرية، لكنها تمارس نقيضها. ترفع شعار القانون، لكنها تتعامل معه كأداة انتقائية. تدافع عن الحقوق، لكنها تُخضعها لمعادلات القوة.

الليبرالية، في أصلها، ليست خطابًا سياسيًا، بل منظومة قيم تُقيّد السلطة قبل أن تُنظّمها. وحين تتحول إلى غطاء لفرض الإرادة، تفقد معناها، وتتحول إلى مجرد شعار بلا مضمون.

التاريخ يقدّم لنا دروسًا لا تُخطئ؛ كل اتفاق فُرض بالقوة، حمل في داخله أسباب انهياره. لأن الشعوب قد تصمت تحت الضغط، لكنها لا تنسى. والدول قد توقّع مضطرة، لكنها لا تتخلى عن حقها في المراجعة.

المشروعية الدولية لا تُصنع بالإكراه، بل تُبنى بالتوافق. وكل محاولة لتجاوز هذه القاعدة ليست سوى تأجيل لأزمة قادمة، لا حلًّا لها.
لهذا، فإن ما يبدو اليوم إنجازًا سياسيًا، قد يتحول غدًا إلى عبء قانوني. وما يُفرض اليوم كأمر واقع، قد يُعاد النظر فيه حين تتغير المعادلات. لأن القانون لا يمنح الشرعية لما يخالف أصوله، حتى لو تأخر في إعلان ذلك.

الرسالة الأهم في كلمات محمد البرادعي ليست موجهة لواشنطن أو لطهران وحدهما، بل لكل نظام دولي يتأرجح بين القانون والقوة. رسالة تقول إن العالم لا يمكن أن يُدار بمنطق الغلبة وحده، لأن الغلبة مؤقتة، بينما القواعد هي التي تمنح الاستمرار.

السياسة قد تنجح في فرض لحظة، لكن القانون هو الذي يحكم المسار. وبين لحظة التوقيع ولحظة السقوط، يبقى الفارق واضحًا: اتفاق وُلد حرًا فيعيش… وآخر فُرض تحت الحصار فيموت، حتى لو تأخر إعلان وفاته.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى